ومعنى الاستنصار في الدين أن يجد هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا، فرصة سانحة لنصرة الدين، في مواطنهم التي هم فيها، كأن تجد تلك الجماعة التي لم تهاجر، قدرة على دفع عدوان المعتدين عليها ولكنها تحتاج إلى مساندة عدد من المسلمين- عندئذ يجب على الجماعة الإسلامية أن تناصرها وتشدّ ظهرها بالرجال والسلاح .. ففى هذا انتصار لدعوة الإسلام، وتمكين لها في هذا الموطن الجديد ..
هذا، وقد ذهب أكثر المفسّرين أن الولاية هنا هى التوارث بينهم، وقالوا: إن المهاجرين والأنصار كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، جاعلين نسب الإسلام بينهم، أولى من نسب القرابة .. ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» .. وقد كان رأينا على غير هذا، وهو أن المراد بالولاية: التناصر، والتعاطف، وتلاحم المشاعر، في ظل الأخوة الإسلامية .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (10:الحجرات) وفى هذا يقول الرسول الكريم كما رواه مسلم: «مثل في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمى» .
وفى قوله تعالى: «فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ» إلزام للجماعة الإسلامية بأن تقوم بالانتصار لمن استنصر بها من أجل الدّين ..
وفى قوله تعالى: «إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ» استثناء من الحكم الموجب على الجماعة الإسلامية الانتصار لمن يستنصر بهم من المؤمنين دفاعا عن الإسلام، ودعوة الإسلام .. وذلك أنه إذا كان هناك ميثاق وموادعة بين المسلمين وبين من دعاهم المؤمنون إلى حربهم، حينئذ يجب على المسلمين أن يحترموا هذا الميثاق، وأن يلتزموا حدوده، وأن يقوموا على الوفاء به، ولا يدخلوا في حرب مع من دعوا إلى حربه، وهو موادع لهم بميثاق واثقهم عليه.
قوله تعالى: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ» :هو تقرير لحكم واقع بين الكافرين وهو أنهم على ولاء فيما بينهم. وأنهم حزب واحد، مجتمع على عداوة المؤمنين، ناصب لحربهم، راصد للفرصة الممكنة له منهم ..
وليس في هذا الذي يقرره القرآن الكريم دعوة لجماعات الكافرين أن يكونوا على هذا الولاء الذي بينهم، وإنما هو- كما قلنا- تقرير لأمر واقع، يرى منه المؤمنون كيف يجتمع أهل الضلال على الضلال، وكيف يقوم بينهم الولاء والتناصر .. فارنى للمؤمنين ثم أولى لهم، أن يجتمعوا على الإيمان، وأن يتناصروا على الحق والخير.
وفى قوله تعالى: «إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ» إشارة إلى ما ينبغى أن يكون بين جماعة المؤمنين من تلاحم وتناصر. وأنهم إن لم يفعلوا هذا، فسد أمرهم، وتمكّن العدوّ منهم، وسقطت راية الحق التي يقاتلون عليها، وخلا وجه الأرض للفساد والمفسدين.