فما حكم هؤلاء المؤمنون؟ وما وضعهم في المؤمنين من المهاجرين والأنصار؟
إنهم لا شكّ أعضاء في هذا الجسد الإسلامى الجديد، الذي تبرز سماته في المهاجرين والأنصار. ولكن كان الإسلام في دور البناء للمجتمع الإسلامى، وكان من أجل هذا في مسيس الحاجة إلى كل يد عاملة لدعم هذا البناء، ورفع بنيانه- الأمر الذي جعل الهجرة إلى المدينة التي آوى إليها الرسول، واتخذ منها مركزا لدعوته، أمرا له قدره وأثره في رفع درجة المؤمن، وتشريفه بهذا المقام الكريم الذي أفرد الله سبحانه وتعالى به المهاجرين، وجعل لهم وللأنصار ذكرا طيبا، جاء به القرآن الكريم أكثر من موضع ..
من أجل هذا، فإن الذين آمنوا ولم يهاجروا- لعلّة أو لأكثر- لم يكن حسابهم قائما على هذا التقدير الذي يسوّى بينهم وبين المهاجرين، أو الأنصار ..
إذ كان المهاجرون، مؤمنين، ومعهم مع إيمانهم هجرة، وكان الأنصار مؤمنين، ومعهم مع إيمانهم أنهم آووا ونصروا .. أما المؤمنون الذي حبستهم أعذارهم عن الهجرة، فإنهم لم يضيفوا إلى إيمانهم شيئا مما فعله المهاجرون أو الأنصار .. فهم والحال كذلك ليسوا بالّذين يدخلون في ذمّة المؤمنين في هذه المرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية، بحيث يمنعونهم من عدوّهم، ويدفعون عنهم ما يعرض لهم من ظلم وبغى، وهم في ديار الظالمين .. وحسب المهاجرين والأنصار في هذه المرحلة من مسيرة الدعوة الإسلامية- حسبهم أن ينظروا لأنفسهم، وأن يدفعوا البغي المتسلط عليهم.
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا» .. وفى هذا تخفيف عن الجماعة الإسلامية، وإعفاء لها من حمل عبء فوق أعبائها، وهو الدفاع عن الأفراد أو الجماعات الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل ظلّوا بين أهليهم وأقوامهم الذين ينظرون إليهم نظرات مغيظة حانقة، ترمى بالضر والأذى.
ولو دخل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا- لو دخلوا في ذمة المؤمنين وفى ولائهم، لكان على المؤمنين الانتصار لهم من كل ظلم، والحماية لهم من كلّ عدوان، وهذا يجعل الجماعة الإسلامية- مع ما هى عليه من قلة عدد يومئذ- في وجه حرب متصلة، مع قبائل العرب جميعا، حيث كان في كل قبيلة فرد أو أفراد من الذين آمنوا، واستجابوا لله وللرسول .. وكان وضع هؤلاء الأفراد في أقوامهم محفوفا بالمكاره، متصلّا بالضرّ والأذى، فلو دخلوا في ذمة المسلمين لكان على المهاجرين والأنصار، نصرهم ودفع الضر عنهم.
وفى قوله تعالى: «وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ» .. هو بيان للحال التي يجب على جماعة المسلمين أن ينتصروا فيها لمن يستنصر بهم من المؤمنين الذين لم يهاجروا، وتلك الحال هى أن يكون استنصار المستنصرين بهم من أجل الدّين، ولحساب الدّين، لا لعصبية نسب أو قرابة أو حلف.