فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 849

والضمير في «تفعلوه» يعود إلى الولاء الذي ينبغى أن يكون بين المؤمنين، بعد أن دعاهم الله إليه في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ» .. وبعد أن لفتهم سبحانه إلى ما بين أهل الكفر والضلال من ولاء والتقاء على البغي والعدوان.

وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» .هو عرض للمهاجرين والأنصار، وإفراد لهم بتلك المنزلة الرفيعة من الإيمان الذي حقّقوا صفته فيهم على أكمل وجه وأروعه .. «أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا» أي المؤمنون إيمانا كاملا، لم تشبه شائبة من ضعف، ولم تعلق به خاطرة من شك أو ريب .. فهو الإيمان الخالص، وهو الحقّ حقّا ..

«لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» أي مغفرة عامة شاملة، تنال كلّ ذنوبهم، ولهم «رِزْقٌ كَرِيمٌ» طيّب، من كل شىء، في الدنيا وفى الآخرة. وهذا من بعض الأسرار التي جاء عليها النظم القرآنى في تنكير المغفرة والرزق الكريم، حيث يراد بهما العموم والشمول ..

قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ» .

هذا إغراء لمن تحدّثه نفسه، وتنزع به همته أن يكون في هذا الموكب الكريم الذي انتظم أولئك الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى هذا الوصف الكريم، وحلّاهم بحلية الإيمان الكامل، وأنزلهم منازل مغفرته ورضوانه .. إغراء لكل من يطلب هذا المقام الكريم أن يستحثّ خطاه إليه، وأن يتخفف من كل ما يمسكه عن الهجرة، فيهاجر إلى من سبقوه إلى دار الهجرة، وهناك سيأخذ مكانه بينهم، وينزل حيث أنزلهم الله في منازل فضله وإحسانه ..

فإن الطريق إلى الله مفتوح دائما، ورحمة الله تسع كل شىء، وعطاؤه موصول لا ينقطع، ولا ينفد.

وفى قوله تعالى بعد هذا: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» إشارة إلى ما بين المؤمنين- من سبق منهم ومن لحق- من نسب قريب، ورحم ماسّة .. فيهم جميعا أبناء أب واحد، هو الإسلام، الذي يولدون فيه حالا بعد حال، وجيلا بعد جيل.

وقوله سبحانه: «فِي كِتابِ اللَّهِ» يحتمل وجهين: إما أن يكون متعلقا بقوله تعالى: «أولى» ويكون المعنى: وأولوا الأرحام- أي المؤمنون- بعضهم أولى ببعض فيما جاء في كتاب الله، أي دين الله، الذي حمله كتاب الله وهو القرآن .. بمعنى أن ولاء المؤمنين بعضهم لبعض، إنما هو فيما هو حق وخير وإحسان، وهذا الخير والإحسان مما هو في كتاب الله، الذي آمنوا به، ودانوا بشريعته.

وإما أن يكون استئنافا، هو جواب لسؤال مقدر، وتقديره: «من أين جاء هذا الحكم الذي قرّرته الآية في قوله تعالى: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» ؟ فكان الجواب: «فِي كِتابِ اللَّهِ» أي في علم الله، وفيما أقام العباد عليه، حيث جعل بين أولى الأرحام مودة، ورحمة، وولاء .. ومثل هذا ما جاء فى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت