الدعوة، مذ كانوا يعرفون مدلولات لغتهم الصحيحة! كانوا يعرفون أن شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدا رسول اللّه، معناها إعلان التمرد على سلطان البشر كافة، والخروج من حاكمية العباد جملة والفرار إلى ألوهية اللّه وحده وحاكميته. ثم التلقي في هذه العبودية للّه عن محمد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وحده، دون الناطقين باسم الآلهة أو باسم اللّه! .. وكانوا يرون الذين يشهدون هذه الشهادة يخرجون لتوهم من سلطان قريش وقيادتها وحاكميتها وينضمون إلى التجمع الحركي الذي يقوده محمد - صلى الله عليه وسلم - ويخضعون لقيادته وسلطانه وينتزعون ولاءهم للأسرة والعشيرة والقبيلة والمشيخة والقيادة الجاهلية ويتوجهون بولائهم كله للقيادة الجديدة، وللعصبة المسلمة التي تقوم عليها هذه القيادة الجديدة.
كان هذا كله هو مدلول شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه .. وكان هذا واقعا يشهده الملأ من قريش ويحسون خطره على كيانهم، وعلى الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعقدية التي يقوم عليها كيانهم.
لم يكن مدلول شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه، هو هذا المدلول الباهت الفارغ الهزيل الذي يعنيه اليوم من يزعمون أنهم مسلمون - لمجرد أنهم يشهدون هذه الشهادة بألسنتهم ويؤدون بعض الشعائر التعبدية، بينما ألوهية اللّه في الأرض وفي حياة الناس لا وجود لها ولا ظل وبينما القيادات الجاهلية والشرائع الجاهلية هي التي تحكم المجتمع وتصرف شؤونه.
وحقيقة إنه في مكة لم تكن للإسلام شريعة ولا دولة .. ولكن الذين كانوا ينطقون بالشهادتين كانوا يسلمون قيادهم من فورهم للقيادة المحمدية ويمنحون ولاءهم من فورهم للعصبة المسلمة كما كانوا ينسلخون من القيادة الجاهلية ويتمردون عليها وينزعون ولاءهم من الأسرة والعشيرة والقبيلة والقيادة الجاهلية بمجرد نطقهم بالشهادتين .. فلم يكن الأمر هو هذا النطق الفارغ الباهت الهزيل. ولكن كانت دلالته الواقعية العملية هي التي تترجمه إلى حقيقة يقوم عليها الإسلام ..
وهذا هو الذي كان يزعج الملأ من قريش من زحف الإسلام، ومن هذا القرآن .. إنه لم يزعجهم من قبل أن «الحنفاء» اعتزلوا معتقدات المشركين وعباداتهم واعتقدوا بألوهية اللّه وحده وقدموا له الشعائر وحده، واجتنبوا عبادة الأصنام أصلا .. فإلى هنا لا يهم الطاغوت الجاهلي شيء لأنه لا خطر على الطاغوت من الاعتقاد السلبي والشعائر التعبدية! إن هذا ليس هو الإسلام - كما يظن بعض الطيبين الخيرين الذين يريدون اليوم أن يكونوا مسلمين، ولكنهم لا يعرفون ما هو الإسلام معرفة اليقين! - إنما الإسلام هو تلك الحركة المصاحبة للنطق بالشهادتين .. هو الانخلاع من المجتمع الجاهلي وتصوراته وقيمه وقيادته وسلطانه وشرائعه والولاء لقيادة الدعوة الإسلامية وللعصبة المسلمة التي تريد أن تحقق الإسلام في عالم الواقع .. وهذا ما كان يقض مضاجع الملأ من قريش، فيقاومونه بشتى