فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 849

الأساليب .. ومنها هذا الأسلوب .. أسلوب الادعاء على القرآن الكريم، بأنه أساطير الأولين! وأنهم - لو شاءوا - قالوا مثله! ذلك مع تحديهم به مرة ومرة ومرة ..

وهم في كل مرة يعجزون ويخنسون! والأساطير واحدتها أسطورة. وهي الحكاية المتلبسة - غالبا - بالتصورات الخرافية عن الآلهة وعن أقاصيص القدامى وبطولاتهم الخارقة، وعن الأحداث التي يلعب فيها الخيال والخرافة دورا كبيرا ..

وقد كان الملأ من قريش يعمدون إلى ما في القرآن من قصص الأولين وقصص الخوارق والمعجزات وفعل اللّه بالمكذبين وإنجائه للمؤمنين ... إلى آخر ما في القصص القرآني من هذه الموضوعات فيقولون للجماهير المستغفلة: إنها أساطير الأولين اكتتبها محمد ممن يجمعونها وجاء يتلوها عليكم، زاعما أنه أوحي إليه بها من عند اللّه .. وكذلك كان النضر ابن الحارث يجلس في مجلس رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بعد انتهائه أو يجلس مجلسا آخر يجاوره ويقص الأساطير الفارسية التي تعلمها من رحلاته في بلاد فارس ليقول للناس:

إن هذا من جنس ما يقوله لكم محمد. وهأنذا لا أدعي النبوة ولا الوحي كما يدعي! فإن هي إلا أساطير من نوع هذه الأساطير! ولا بد أن نقدر أنه كان هناك تأثير لهذه البلبلة في الوسط الجاهلي عند عامة الناس. وبخاصة في أول الأمر، قبل أن تتجلى الفوارق بين هذه الأساطير والقصص، وبين القرآن الكريم. لندرك لم نادى منادي رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قبل المعركة في بدر بقتل النضر بن الحارث. ثم لما وجده أسيرا أمر بقتله هو والنفر القليل الذين أمر بقتلهم من الأسرى ولم يقبل فيه فدية كالآخرين.

على أن الذي انتهى إليه الأمر في مكة أن هذه الأساليب لم تعش طويلا وأن هذا النوع من المناورات قد انكشف بعد حين وأن القرآن بسلطانه القاهر الذي يحمله من عند اللّه وبالحق العميق الذي تصطلح عليه الفطرة سريعا، قد اكتسح هذه الأساليب وهذه المناورات، فلم يقف له منها شيء وراح الملأ من قريش - في ذعر - يقولون: «لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ!» ووجد كبراؤهم، من أمثال أبي سفيان، وأبي جهل والأخنس بن شريق أنفسهم يخالس بعضهم بعضا ليبيت ليلته يستمع خفية لهذا القرآن ولا يملك نفسه من أن تقوده قدماه ليلة بعد ليلة إلى حيث يستمع لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في خفية عن الآخرين حتى تعاهدوا وأكدوا على أنفسهم العهود، ألا يعودوا إليها، مخافة أن يراهم الفتية فيفتنوا بهذا القرآن وبهذا الدين! [1]

(1) - قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ أَنّهُ حُدّثَ أَنّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثّقَفِيّ، حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلّي مِنْ اللّيْلِ فِي بَيْتِهِ فَأَخَذَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ وَكُلّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرّقُوا. فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ فَتَلَاوَمُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ لَا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمّ انْصَرَفُوا. حَتّى إذَا كَانَتْ اللّيْلَةُ الثّانِيَةُ عَادَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إلَى مَجْلِسِهِ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرّقُوا، فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ مِثْلَ مَا قَالُوا أَوّلَ مَرّةٍ ثُمّ انْصَرَفُوا. حَتّى إذَا كَانَتْ اللّيْلَةُ الثّالِثَةُ أَخَذَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرّقُوا، فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ لَا نَبْرَحُ حَتّى نَتَعَاهَدَ أَلَا نَعُودَ فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ ثُمّ تَفَرّقُوا. سيرة ابن هشام [1/ 315] صحيح مرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت