النّضْرُ بْنُ الحارِثِ فيجْلِسُ مكان الرّسُولِ، ويُحدِّثُ النّاس بِأساطِيرِ فارِس والرُّومِ وقصصِهِمْ القدِيمةِ، ويقُولُ لهُمْ: بِاللهِ أيُّنا أحْسنُ قصصًا أنا أوْ مُحمّدٌ؟ [1]
ذكر ابن كثير في التفسير [2] - وقد قيل: إن القائل لذلك هو النضر بن الحارث -لعنه الله -كما قد نص على ذلك سعيد بن جُبَيْر، والسُّدِّيّ، وابن جُرَيج وغيرهم؛ فإنه -لعنه الله -كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وتعلم من أخبار ملوكهم رُسْتم واسفنديار، ولما قدم وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعثه الله، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان إذا قام - صلى الله عليه وسلم - من مجلس، جلس فيه النضر فيحدثهم من أخبار أولئك، ثم يقول: بالله أيهما أحسن قصصا؟ أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله تعالى منه يوم بدر ووقع في الأسارى، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تضرب رقبته صبرا بين يديه، ففُعل ذلك، ولله الحمد. وكان الذي أسره المقداد بن الأسود، رضي الله عنه، كما روى ابن جرير: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَتَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ، وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ؛ وَكَانَ الْمِقْدَادُ أَسَرَ النَّضْرَ، فَلَمَّا أُمِرَ بِقَتْلِهِ قَالَ الْمِقْدَادُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسِيرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا يَقُولُ".فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِقَتْلِهِ. فَقَالَ الْمِقْدَادُ: أَسِيرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ أَغْنِ الْمِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ"فَقَالَ الْمِقْدَادُ: هَذَا الَّذِي أَرَدْتُ. وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا الْآيَةُ" [3] .."
ولقد تكررت في القرآن حكاية قول المشركين عن القرآن: إنه أساطير الأولين: «وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا» ..
وما كان هذا القول إلا حلقة من سلسلة المناورات التي كانوا يحاولون أن يقفوا بها في وجه هذا القرآن، وهو يخاطب الفطرة البشرية بالحق الذي تعرفه في أعماقها فتهتز وتستجيب ويواجه القلوب بسلطانه القاهر فترتجف لإيقاعه ولا تتماسك. وهنا كان يلجأ العلية من قريش إلى مثل هذه المناورات. وهم يعلمون أنها مناورات! ولكنهم كانوا يبحثون في القرآن عن شيء يشبه الأساطير المعهودة في أساطير الأمم من حولهم ليموهوا به على جماهير العرب، الذين من أجلهم تطلق هذه المناورات، للاحتفاظ بهم في حظيرة العبودية للعبيد! لقد كان الملأ من قريش يعرفون طبيعة هذه
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1192، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [4/ 46]
(3) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ >> سُورَةُ الَأنْفَالِ >> الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا >> (14666) صحيح مرسل
قَالَ النُّفَيْلِيُّ: وَكَانَ هُشَيْمٌ يُغَلِّطُ فِيهِ، إِنَّمَا هُوَ طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَكَذَا حَدِيثُ هُشَيْمٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي، فَيُنْكِرُونَ مَقْتَلَ مُطْعِمٍ يَوْمَئِذٍ، يَقُولُونَ: مَاتَ بِمَكَّةَ مَوْتًا قَبْلَ بَدْرٍ، وَإِنَّمَا قُتِلَ أَخُوهُ طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وَلَمْ يُقْتَلْ صَبْرًا، قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ. وَمِمَّا يُصَدِّقُ قَوْلَهُمُ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ حِينَ كَلَّمَهُ فِي الْأُسَارَى:"شَيْخٌ لَوْ كَانَ أَتَانَا شَفَّعْنَاهُ"يَعْنِي أَبَاهُ مُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَقْتُولًا يَوْمَئِذٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ فِيهِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ؟ فَأَمَّا مَقْتَلُ عُقْبَةَ وَالنَّضْرِ، فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ".الْأَمْوَالُ لِابْنِ زَنْجُوَيْهِ (418) "