فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 849

وقوله تعالى: «فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا» تنبيه للغافلين عن هذا اليوم، المتناسين أو الناسين لهذا الوعد، المشغولين عنه بما بين أيديهم من متاع الدنيا وزخارفها ..

وقوله تعالى: «وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» الغرور: هو الشيطان، وسمى غرورا، لأن يغر الناس، ويخدعهم، ويزين لهم الضلال، فيأتونه وكأنه الهدى .. وكل ما يشغل الإنسان عن الله، وعن العمل الصالح، هو غرور، لأنه يغرر بالإنسان ويخدعه، .. ومنه الغرر في البيوع. وقد حرمه الإسلام لما فيه من مخاطرة وغبن. [1]

إن وعد اللّه حق .. إنه آت لا ريب فيه. إنه واقع لا يتخلف. إنه حق والحق لا بد أن يقع، والحق لا يضيع ولا يبطل ولا يتبدد ولا يحيد. ولكن الحياة الدنيا تغر وتخدع. «فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا» .ولكن الشيطان يغر ويخدع فلا تمكنوه من أنفسكم «وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» .. والشيطان قد أعلن عداءه لكم وإصراره على عدائكم «فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا» لا تركنوا إليه، ولا تتخذوه ناصحا لكم، ولا تتبعوا خطاه، فالعدو لا يتبع خطى عدوه وهو يعقل! وهو لا يدعوكم إلى خير، ولا ينتهي بكم إلى نجاة: «إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ» ! فهل من عاقل يجيب دعوة الداعي إلى عذاب السعير؟! إنها لمسة وجدانية صادقة. فحين يستحضر الإنسان صورة المعركة الخالدة بينه وبين عدوه الشيطان، فإنه يتحفز بكل قواه وبكل يقظته وبغريزة الدفاع عن النفس وحماية الذات. يتحفز لدفع الغواية والإغراء ويستيقظ لمداخل الشيطان إلى نفسه، ويتوجس من كل هاجسة، ويسرع ليعرضها على ميزان اللّه الذي أقامه له ليتبين، فلعلها خدعة مستترة من عدوه القديم! وهذه هي الحالة الوجدانية التي يريد القرآن أن ينشئها في الضمير. حالة التوفز والتحفز لدفع وسوسة الشيطان بالغواية كما يتوفز الإنسان ويتحفز لكل بادرة من عدوه وكل حركة خفية! حالة التعبئة الشعورية ضد الشر ودواعيه، وضد هواتفه المستسرة في النفس، وأسبابه الظاهرة للعيان. حالة الاستعداد الدائم للمعركة التي لا تهدأ لحظة ولا تضع أوزارها في هذه الأرض أبدا [2] .

خطاب الحق سبحانه لعباده بيأيها الناس يدل على أنه تعالى يريد أنْ يُسعدهم جميعًا في الآخرة، وسبق أنْ ذكرنا الحديث القدسي الذي تقول فيه الأرض: يارب ائذن لي أنْ أخسف بابن آدم، وقالت البحار: نغرقه ... إلخ، فكان الرد من الخالق عَزَّ وَجَلَّ «دعوني وخلقي، فلو خلقتموهم لرحمتموهم، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم» .

وقوله تعالى: {اتقوا رَبَّكُمْ .. } [لقمان:33] التقوى أنْ تجعل بينك وبين ما يضرك وقاية تقيك وتحميك؛ لذلك يقول تعالى في آيةأخرى {واتقوا النار ... } [آل عمران:131] وهما بمعنى واحد؛

(1) - التفسير القرآني للقرآن (11/ 853)

(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3707)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت