أعظم العوائق عنه والقواطع دونه، الدنيا الفتانة، والشيطان الموسوس الْمُسَوِّل، فنهى تعالى عباده، أن تغرهم الدنيا، أو يغرهم بالله الغرور {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا} [1]
إن الهول هنا هول نفسي، يقاس بمداه في المشاعر والقلوب [2] .وما تتقطع أو أصر القربى والدم، ووشائج الرحم والنسب بين الوالد ومن ولد، وبين المولود والوالد. وما يستقل كل بشأنه، فلا يجزى أحد عن أحد، ولا ينفع أحدا إلا عمله وكسبه. ما يكون هذا كله إلا لهول لا نظير له في مألوف الناس .. فالدعوة هنا إلى تقوى اللّه تجيء في موضعها الذي فيه تستجاب وقضية الآخرة تعرض في ظلال هذا الهول الغامر فتسمع لها القلوب.
«إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» .. فلا يخلف ولا يتخلف ولا مفر من مواجهة هذا الهول العصيب. ولا مفر من الحساب الدقيق والجزاء العادل، الذي لا يغني فيه والد عن ولد ولا مولود عن والد.
«فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا» .. وما فيها من متاع ولهو ومشغلة فهي مهلة محدودة وهي ابتلاء واستحقاق للجزاء.
«وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» .. من متاع يلهي، أو شغل ينسي، أو شيطان يوسوس في الصدور. والشياطين كثير. الغرور بالمال شيطان. والغرور بالعلم شيطان. والغرور بالعمر شيطان. والغرور بالقوة شيطان. والغرور بالسلطان شيطان. ودفعة الهوى شيطان. ونزوة الشهوة شيطان. وتقوى اللّه وتصور الآخرة هما العاصم من كل غرور! [3]
و قال تعالى: {يا أيُّها النّاسُ إِنّ وعْد اللّهِ حقٌّ فلا تغُرّنّكُمُ الْحياةُ الدُّنْيا ولا يغُرّنّكُمْ بِاللّهِ الْغرُورُ (5) } [فاطر/5]
يا أيُّها النّاسُ إِنّ وعْد اللهِ بِالبعْثِ والنُّشُورِ والحِسابِ والجزاء .. هُو وعْدٌ حقٌّ لا شكّ فِيهِ ولا مِرْية، فلا تغُرّنّكُمُ الحياةُ الدُّنيا، ولا تُلْهِينّكُمْ بِزُخْرُفِها وزينتِها، عنْ طلبِ ما ينْفعُكُمْ يوْم حُلُولِ موْعِدِ الحشْرِ، وبعْثِ الخلائِقِ، ولا تدعُوا الشّيطان يغُرّكُمْ، ويفْتِنْكُمْ، ويصرِفْكُمْ عن اتِّباعِ رُسُلِ اللهِ، وتصْدِيقِ كلِماتِهِ، فإِنهُ غرّارٌ كذّابٌ فلا تغُرّنّكُمْ - فلا تخْدعنّكُمْ ولا تُلْهِينّكُمْ. [4]
وعد الله: هو ما وعد الله سبحانه في آياته، وعلى لسان رسوله، من البعث والحساب .. والجزاء، والجنة والنار. وهذا الوعد حق، وهو آت لا ريب فيه ..
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 652)
(2) - يراجع فصل العالم الآخر في القرآن «في كتاب: مشاهد القيامة في القرآن» ص 42 - 44. «دار الشروق» . (السيد رحمه الله)
(3) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3554)
(4) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 3546، بترقيم الشاملة آليا)