فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 849

لأن معنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات جلال ربكم وانتقامه وجبروته وقاية، وكذلك في: اتقوا النار.

فالخطاب هنا عام للناس جميعًا مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى يريد أن يُدخلهم جميعًا حيِّز الإيمان والطاعة، ويريد أنْ يعطيهم ويمنّ عليهم ويعينهم، وكأنه سبحانه يقول لهم: لا أريد لكم نِعَم الدنيا فحسب، إنما أريد أنْ أعطيكم أيضًا نعيم الآخرة.

وكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -،كان رحيمًا حتى بالكافرين والمعاندين له، كما ذكرنا في قصة اليهودي الذي اتهموه ظلمًا بسرقة درع أحد المسلمين، وقد عزَّ على المسلمين أنْ يُرمى واحد منهم بالسرقة، فجعلوها عند اليهودي، وعرضوا الأمر على سيدنا رسول الله، فأداره في رأسه: كيف يتصرف فيه؟

فأسعفه الله، وأنزل عليه: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله ... } [النساء:105] لا بين المؤمنين فحسب {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [النساء:105] أي: لا تخاصم لصالح الخائن، وإن كان مسلمًا، فالناس جميعًا سواء أمام مسئولية الإيمان.

وفَرْق بين: اتقوا ربكم واتقوا الله؛ لأن عطاء الربوبية غير عطاء الألوهية، عطاء الربوبية إيجاد من عَدَم، وإمداد من عُدْم، وتربية للمؤمن وللكافر، أما عطاء الألوهية فطاعة وعبادة وتنفيذ للأوامر، فاختار هنا الرب الذي خلق وربَّى، وكأنه سبحانه يقول للناس جميعًا: من الواجب عليكم أن تجعلوا تقوى الله شكرًا لنعمته عليكم، وإنْ كنتم قد كفرتُم بها.

ولا تنتهي المسألة عند تقوى الرب في الدنيا، إنما {واخشوا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ .. } [لقمان:33] أي: خافوا يومًا تُرجعون فيه إلى ربكم، وكلمة (يوم) تأتي ظرفًا، وتأتي اسمًا مُتصرِّفًا، فهي ظرف إذا كان هناك حدث سيحدث في هذا اليوم كما تقول: خِفْت شدة الملاحظة يوم الامتحان، فالخوف من الحدث، لا من اليوم نفسه، أمَّا لو قلت خفت يوم الامتحان، فالخوف من كل شيء في هذا اليوم، أي من اليوم نفسه.

فالمعنى هنا {واخشوا يَوْمًا .. } [لقمان:33] لأن اليوم نفسه مخيف بصرف النظر عن الجزاء فيه، وفي هذا اليوم {لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ .. } [لقمان:33] خصَّ هنا الوالد والولد؛ لأنه سبحانه نصح الجميع، ثم خصَّ الوالدين في الوصية المعروفة

{وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ ... } [لقمان:14]

ثم ذكر حيثيات هذه الوصية وقال: {أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ ... } [لقمان:14] فجعل لهما فضلًا ومَيْزة ومنزلة عند الله، حتى أصبحا مظنة النفع حتى يوم القيامة، فأراد سبحانه أنْ يُبينَّ لنا أن نفع الوالد لولده ينقطع في الآخرة، فكلٌّ منهما مشغول بنفسه، فلا ينفع الإنسان حتى أقرب الناس إليه.

وفي سورة البقرة: {واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا ... } [البقرة:48] أي: مطلق النفس، لا مجرد الوالد والولد، إنما عامة الناس لا ينفع أحد منهم أحدًا أيًّا كان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت