فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 849

وَأَشْبَاهَ هَذَا، وَلَا مُرْجِفًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: هَلَكَتْ سَرِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَالَهُمْ مَدَدٌ، وَلَا طَاقَةَ لَهُمْ بِالْكُفَّارِ، وَالْكُفَّارُ لَهُمْ قُوَّةٌ، وَمَدَدٌ، وَصَبْرٌ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ أَحَدٌ. وَنَحْوَ هَذَا، وَلَا مَنْ يُعِينُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالتَّجَسُّسِ لِلْكُفَّارِ، وَإِطْلَاعِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَمُكَاتَبَتِهِمْ بِأَخْبَارِهِمْ، وَدَلَالَتِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، أَوْ إيوَاءِ جَوَاسِيسِهِمْ. وَلَا مَنْ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْعَى بِالْفَسَادِ؛ لِقَوْلِ اللَّهَ تَعَالَى {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة:46] {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة:47] .

وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَلْزَمُهُ مَنْعُهُمْ. وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ، لَمْ يُسْهِمْ لَهُ وَلَمْ يَرْضَخْ وَإِنْ أَظْهَرَ عَوْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَهُ نِفَاقًا، وَقَدْ ظَهَرَ دَلِيلُهُ، فَيَكُونُ مُجَرَّدَ ضَرَرٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مِمَّا غَنِمُوا شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ أَحَدَ هَؤُلَاءِ، لَمْ يُسْتَحَبَّ الْخُرُوجُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ خُرُوجُهُ تَبَعًا، فَمَتْبُوعًا أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ الْمَضَرَّةُ عَلَى مَنْ صَحِبَهُ.] [1] ،وهذا كله يرجع إلى قوله تعالى {لوْ خرجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلا خبالا ولأوْضعُوا خِلالكُمْ يبْغُونكُمْ الْفِتْنة وفِيكُمْ سمّاعُون لهُمْ} [2] ،وقوله تعالى {فإِنْ رجعك اللّهُ إِلى طائِفةٍ مِنْهُمْ فاسْتأْذنُوك لِلْخُرُوجِ فقُلْ لنْ تخْرُجُوا معِي أبدًا ولنْ تُقاتِلُوا معِي عدُوًّا إِنّكُمْ رضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أوّل مرّةٍ فاقْعُدُوا مع الْخالِفِين} [3] ،

ومحصل ذلك أنه يُمنع من الجهاد من فيه تخذيل أو إفساد للصف أو خيانة، فهذا عظيم المفسدة وإن كان فيه بعض النفع.

فإذا سمح الأمير للفاسق العاصي ـ الذي منفعته أعظم من فسقه ـ بالخروج للجهاد، فهذا لا يعني إقراره على فسقه ومعصيته، بل يأمره بالمعروف تعليما ونصحا، وينهاه عن المنكر زجرا وعقوبة، وهذا معناه ممارسة التربية الإيمانية أثناء الجهاد، ولا نقول يؤجل الجهاد حتى ننتهي من التربية الإيمانية فهذه لانهاية لها إلا بالموت لقوله تعالى {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99] واليقين هو الموت كما في التفسير، وقد يحين الأجل ولم يُحصِّل العبد إلا قدرا يسيرا من هذه التربية، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) } [فاطر:32،33] ،فهذه هي المنازل الإيمانية لأتباع الرسل وورثة الكتاب.

ويمكنني أن ألخص ما سبق فيما يلي:

(1) - المغني لابن قدامة (9/ 201)

(2) - سورة التوبة، الآيتان: 46 ـ 47.

(3) - سورة التوبة، الآية: 83

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت