نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) [الصف:10 - 14] ،وغيرها من الآيات، فهذه الآية خطاب للمؤمنين بالجهاد، ومن هؤلاء من له ذنوب {يغْفِرْ لكُمْ ذُنُوبكُمْ} فدلت الآية على أن إلمام المؤمن بالذنوب لا يُسقْط مخاطبته بالجهاد. والفاسق وإن عظمت ذنوبه فإنه لا يسلب الإيمان بالكلية، فإن معه مطلق الإيمان (أي الحد الأدنى منه) الموجب لتكليفه بالشرائع، وإن لم يكن معه الإيمان المطلق (أي الكامل) واجتماع الطاعة والمعصية في العبد من عقيدة أهل السنة، وهذا مستفاد من القاعدة العمة وهي أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ـ وقد سبق بيان هذا ـ ومن أمثلة ذلك ما رواه البخاري عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَكَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» [1] ،فهذا الصحابي رغم معصيته بشرب الخمر إلا أن معه من الطاعة كمحبة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -،وهذه المحبة من أعظم شعب الإيمان، وتأمل منزلتها في آية إبطال الأعذار الثمانية بسورة التوبة {قُلْ إِنْ كان آباؤُكُمْ ... } الآية.
ثم إن صاحب المعصية له نفع خاص من الجهاد وذلك لتكفير ذنوبه. كما قال ابن تيمية رحمه الله معقبا على آية الصف السابقة [ومن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد، فإن الله - عز وجل - يغفر ذنوبه، كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى {يغْفِرْ لكُمْ ذُنُوبكُمْ} ،ومن أراد التخلص من الحرام والتوبة ولا يمكن رده إلى أصحابه فلينفقه في سبيل الله عن أصحابه، فإن ذلك طريق حسنة إلى خلاصه مع ما يحصل له من أجر الجهاد] [2] .
مما سبق تعلم أن الفسق لا يُسقط التكليف بالجهاد، فالفاسق خاطب شرعا بالجهاد كالصالح العادل، وسبق ما نقله الشوكاني من جواز ـ وليس وجوب ـ الاستعانة بالفاسق والمنافق إجماعا. فإذا ثبت الجواز آل الأمر إلى اعتبار المنافع والمفاسد المترتبة على خروجه في الجهاد فأيتهما غلبت فالحكم لها. أي إذا كانت منفعة خروجه أعظم من مفسدته، سُمِح له بالخروج وعكسه بعكسه.
ومن هذا ما قاله ابن قدامة[وَلَا يَسْتَصْحِبُ الْأَمِيرُ مَعَهُ مُخَذِّلًا، وَهُوَ الَّذِي يُثَبِّطُ النَّاسَ عَنْ الْغَزْوِ، وَيُزَهِّدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِ وَالْقِتَالِ وَالْجِهَادِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: الْحَرُّ أَوْ الْبُرْدُ شَدِيدٌ، وَالْمَشَقَّةُ شَدِيدَةٌ، وَلَا تُؤْمَنُ هَزِيمَةُ هَذَا الْجَيْشِ.
(1) - صحيح البخاري (8/ 158) (6780)
[ش (يضحك رسول الله) يفعل في حضرته ما يضحك ورد أنه كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم سمنا أو عسلا فإذا جاء صاحبه يطلب قيمته منه قال للنبي صلى الله عليه وسلم أعط هذا ثمن متاعه فيبتسم النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر بإعطاء الثمن له. (في الشراب) بسبب شربه الشراب. (رجل) قيل هو عمر رضي الله عنه. (ما علمت) لم أعلم منه]
(2) - مجموع الفتاوى ج 28 ص 421، 422