1 = الإعداد الإيماني (التربية) واجب ومقوم أساسي من مقومات النصر، وقد سبق تفصيل هذا، خاصة ما يتعلق بأثر المعاصي في الخذلان، وأن معصية البعض تضر الكل إذا تركوا الإنكار، وهذا هو الحال الأمثل الذي إن وُجِد فيها ونعمت.
2 = ومع ذلك نقول إن الجهاد لا يؤجل من أجل الإعداد الإيماني ـ وإن كان يؤجل من أجل الاستعداد المادي عند العجز ـ خاصة إذا كان الجهاد فرض عين وأخص من الجهاد العيني ما إذا نزل العدو ببلد المسلمين، وهو حال كثير من البلدان الآن، فمثل هذا الجهاد واجب عيني مُضيّق الوقت، وتأجيل مثل هذا الجهاد العيني يؤدي إلى ضرر وفساد، فأي فتنة أعظم من حلول الكافرين بعقر بلاد المسلمين يفرضون عليهم أحكام الكفر ويسعون في إفساد المسلمين وفتنتهم عن دينهم بشتى وسائل المكر، فمن قال بتأجيل جهاد هؤلاء حتى يتسنى تربية من يرغب في الجهاد، فصاحب هذه المقولة لا يدرك أن عوامل الهدم أضعاف عوامل البناء، {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:217] ، {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة:120] ،كذلك فإنه لا يدرك أن الكافرين لن يُبقوا على أي وسيلة من وسائل التربية الصالحة، قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40] ،فلولا دفع الله تعالى للكافرين بالمجاهدين في سبيله لما بقي مكان صالح لعبادة الله سبحانه، ولذلك وصف ابن القيم رحمه الله المجاهدين بقوله: [وهم جند الله، الذين يقيم بهم دينه ويدفع بهم بأْس أعدائه ويحفظ بهم بيضة الإسلام ويحمى لهم حوزة الدين، وهم الذين يقاتلون أعداء الله ليكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هى العليا، قد بذلوا أنفسهم في محبة الله ونصر دينه وإعلاءِ كلمته ودفع أعدائه، وهم شركاءُ لكل من يحمونه بسيوفهم في أعمالهم التى يعملونها وإن [باتوا] فى ديارهم، ولهم مثل أُجور من عبد الله بسبب جهادهم وفتوحهم فإنهم كانوا هم السبب فيه. والشارع قد نزل المتسبب منزلة الفاعل التام في الأجر والوزر، ولهذا كان الداعى إلى الهدى والداعى إلى الضلال لكل منهما بتسببه مثل أجر من تبعه.] [1] .
3 = إذا اكتمل للمسلمين الإعداد المادي قدر الاستطاعة {وأعِدُّوا لهُمْ ما اسْتطعْتُمْ} مع مظنة الظفر فيجب الشروع في الجهاد ولا يؤجل من أجل إكمال الإعداد الإيماني، وهذا معناه أنه عند العجز عن
(1) - طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 355)