فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 849

هو تقرير وتوكيد لتلك الحقيقة التي أعلنها الرسل، وهى أنهم قد توكلوا على الله، وأسلموا وجوههم له .. ولم لا يتوكلون عليه وقد اصطفاهم لأكرم رسالة، وجعلهم مصابيح هدى للناس؟ لقد هداهم الله إلى الحق، وأقامهم على صراطه المستقيم .. فكيف لا يسلمون أمرهم إليه، وهو سبحانه الذي أخذ بأيديهم، فأخرجهم من تلك الظلمات المطبقة على أقوامهم؟

وفى قوله تعالى: «وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا» هو بعض ما يقدمه الرسل لله، وهو الصبر على الأذى الذي يلقونه في سبيل تبليغ رسالته .. [1]

إنها مواجهة الدفاع عن النفس في وجه الاحتياج ومواجهة الدفاع عن الحاكمية المغتصبة وهي من خصائص الألوهية التي يغتصبها في الجاهلية العباد! وإذ كان هذا هو شعور الجاهلية بخطر الدعوة الإسلامية عليها، فقد واجهت هذه الدعوة في معركة حياة أو موت، لا هوادة فيها ولا هدنة ولا تعايش ولا سلام! ..

إن الجاهلية لم تخدع نفسها في حقيقة المعركة وكذلك لم يخدع الرسل الكرام - صلوات اللّه وسلامه عليهم - أنفسهم ولا المؤمنين بهم في حقيقة المعركة .. «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ: لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا» .. فهم لا يقبلون من الرسل والذين آمنوا معهم، أن يتميزوا وينفصلوا بعقيدتهم وبقيادتهم وبتجمعهم الخاص.

إنما يطلبون إليهم أن يعودوا في ملتهم، ويندمجوا في تجمعهم، ويذوبوا في هذا التجمع. أو أن يطردوهم بعيدا وينفوهم من أرضهم ..

ولم يقبل الرسل الكرام أن يندمجوا في التجمع الجاهلي، ولا أن يذوبوا فيه، ولا أن يفقدوا شخصية تجمعهم الخاص .. هذا التجمع الذي يقوم على قاعدة أخرى غير القاعدة التي يقوم عليها التجمع الجاهلي .. ولم يقولوا - كما يقول ناس ممن لا يدركون حقيقة الإسلام .. ولا حقيقة التركيب العضوي للمجتمعات:حسنا! فلنندمج في ملتهم كي نزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم!!!

إن تميز المسلم بعقيدته في المجتمع الجاهلي، لا بد أن يتبعه حتما تميزه بتجمعه الإسلامي وقيادته وولائه.

وليس في ذلك اختيار .. إنما هي حتمية من حتميات التركيب العضوي للمجتمعات .. هذا التركيب الذي يجعل التجمع الجاهلي حساسا بالنسبة لدعوة الإسلام القائمة على قاعدة عبودية الناس للّه وحده وتنحية الأرباب الزائفة عن مراكز القيادة والسلطان. كما يجعل كل عضو مسلم يتميع في المجتمع الجاهلي خادما للتجمع الجاهلي لا خادما لإسلامه كما يظن بعض الأغرار [2] !

ثم تبقى الحقيقة القدرية التي ينبغي ألا يغفل عنها الدعاة إلى اللّه في جميع الأحوال. وهي أن تحقيق وعد اللّه لأوليائه بالنصر والتمكين والفصل بينهم وبين قومهم بالحق، لا يقع ولا يكون، إلا بعد تميز

(1) - التفسير القرآني للقرآن (7/ 159)

(2) - يراجع بتوسع فصل: «نشأة المجتمع المسلم وخصائصه» في كتاب «معالم في الطريق» . «دار الشروق» . (السيد رحمه الله)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت