فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 849

المشهد الذي يعيش فيه .. فهناك رسل كثيرون من رسل الله قد كذّبوا من أقوامهم، وأوذوا في أنفسهم من سفهاء قومهم، ولكنهم اعتصموا بالصبر، واحتملوا الأذى في سبيل الرسالة الكريمة التي شرفّهم الله بها ..

فهذا نوح عليه السلام- يلقاه قومه بالنكير والاستهزاء، ويلاحقونه بالأذى والضرّ- وفى هذا يقول الله على لسانه: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ» (35:هود) .

وقد أخذهم الله بهذا المنكر .. فأغرقهم ونجّى نوحا ومن معه: «فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ» (119 - 120:الشعراء) .

وهذا هود- عليه السلام- يلقى قومه داعيا إلى الله، مبشرا ومنذرا بآياته، فتكون قولتهم له: «يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ» (53 - 54:هود) .. ثم كانت عاقبتهم عاقبة كل ظالم .. فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية: «وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ» (6 - 8:الحاقة) .

وهكذا كان الشأن مع صالح، ولوط، ومع كلّ نبى أعنته قومه، وكذبوا بآيات الله التي بين يديه .. النجاة والسلامة للنبىّ والمؤمنين به، والهلاك والدّمار لمن كذبوا به، وبآيات ربه ..

وفى هذا أسوة للنبىّ، وللمؤمنين معه .. فليحتمل الأذى، وليصبر على الضرّ، وليحتمل المؤمنون الأذى وليصبروا على الضرّ، فإنّ العاقبة له ولهم، وإن النصر للحق ولمن ينصرون الحق .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا، وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ» فتلك هى سنّة في الذين خلوا، ولن تتخلّف آثارها في حاضر أو مستقبل .. فإن أحكام الله لا تنقض وكلماته لن تتبدّل .. [1]

وقال تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم:12] وبعْد أنْ أجابهُم الأنْبِياءُ على شُبُهاتِهِمْ، أخذ المُشْرِكُون يُخوِفُونهُمْ، ويتوعّدُونهُمْ بِالانْتِقامِ والإِيذاءِ، فقال لهُمُ الأنْبِياءُ إِنّنا لا نخافُ تهْدِيدكُمْ، بلْ نتوكّلُ على اللهِ، ونعْتمِدُ عليْهِ، وكيْف لا نتوكّلُ على اللهِ، وقدْ هدانا لأقْومِ الطُّرُقِ وأوْضحِها وأبْينِها؟ وسنصْبِرُ على ما ألْحقْتُمُوهُ بِنا مِن الأذى بِأقْوالِكُمْ وأفْعالِكُمْ، ومنْ توكّل على اللهِ كفاهُ ما أهمّهُ وأغمّهُ .. [2]

(1) - التفسير القرآني للقرآن (4/ 160)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1763، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت