فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 849

يلْفِتُ اللهُ تعالى نظر رسُولِهِ إلى ما لاقاهُ الرُّسُلُ قبْلهُ مِنْ تكْذِيبِ أقْوامِهِمْ لهُمْ، فصبرُوا على الإِيذاءِ والتّكْذِيبِ، حتّى جاء نصْرُ اللهِ. ثُمّ يقُولُ لهُ: فعليْك أيُّها الرّسُولُ أنْ تتأسى بِهِمْ، وتصْبِر، فكما جاء نصْرُ اللهِ منْ سبقك مِن الرُّسُلِ، كذلِك سينْصُرُك اللهُ على أعْدائِك الكافِرِين، ولا مُبدِّل لكلِماتِ اللهِ التِي قضى فِيها أنّ النّصْر والعاقِبة ستكُونانِ لِلْمُؤْمِنِين فِي الدُّنيا والآخِرةِ. ولقدْ جاءك أيُّها الرّسُولُ نبأُ نصْرِ اللهِ رُسُلهُ على منْ كذّبهُمْ وعاداهُمْ مِنْ أقْوامِهِمْ، فِيما قصّهُ عليْك ربُّك مِنْ نبأِ المُرْسلِين قبْلك، وفِي ذلِك تسْلِيةٌ لك، وتثْبِيتٌ. [1]

إن موكب الدعوة إلى اللّه موغل في القدم، ضارب في شعاب الزمن، ماض في الطريق اللاحب، ماض في الخط الواصب .. مستقيم الخطى، ثابت الأقدام. يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل، ويقاومه التابعون من الضالين والمتبوعون، ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة، وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء

والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد .. والعاقبة هي العاقبة، مهما طال الزمن ومهما طال الطريق .. إن نصر اللّه دائما في نهاية الطريق: «وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ، فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا، وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ» ..

كلمات يقولها اللّه - سبحانه - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - .. كلمات للذكرى، وللتسرية وللمواساة، والتأسية .. وهي ترسم للدعاة إلى اللّه من بعد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - طريقهم واضحا، ودورهم محددا، كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته، ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق ... إنها تعلمهم أن سنة اللّه في الدعوات واحدة. كما أنها كذلك وحدة. وحدة لا تتجزأ .. دعوة تتلقاها الكثرة بالتكذيب، وتتلقى أصحابها بالأذى .. وصبر من الدعاة على التكذيب وصبر كذلك على الأذى ..

وسنة تجري بالنصر في النهاية .. ولكنها تجيء في موعدها. لا يعجلها عن هذا الموعد أن الدعاة الأبرياء الطيبين المخلصين يتلقون الأذى والتكذيب، ولا أن المجرمين الضالين والمضلين يقدرون على أذى المخلصين الأبرياء الطيبين! ولا يعجلها كذلك عن موعدها أن صاحب الدعوة المخلص المتجرد من ذاته ومن شهواته إنما يرغب في هداية قومه حبا في هدايتهم، ويأسى على ما هم فيه من ضلال وشقوة، وعلى ما ينتظرهم من دمار وعذاب في الدنيا والآخرة .. لا يعجلها عن موعدها شيء من ذلك كله. فإن اللّه لا يعجل لعجلة أحد من خلقه. ولا مبدل لكلماته. سواء تعلقت هذه الكلمات بالنصر المحتوم، أم تعلقت بالأجل المرسوم. إنه الجد الصارم، والحسم الجازم، إلى جانب التطمين والتسرية والمواساة والتسلية [2] ...

هو عزاء بعد عزاء للنبىّ الكريم، ورحمات من ربّ رحيم تتنزّل عليه، وهو في مواجهة هذا العناد والعنت الذي يلقاه من قومه .. وفى هذا العزاء يرى النبي- صلوات الله وسلامه عليه- مشاهد كثيرة لهذا

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 824، بترقيم الشاملة آليا)

(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1501)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت