أصحاب الدعوة وتحيزهم وإلا بعد مفاصلتهم لقومهم على الحق الذي معهم .. فذلك الفصل من اللّه لا يقع وأصحاب الدعوة متميعون في المجتمع الجاهلي، ذائبون في أوضاعه عاملون في تشكيلاته .. وكل فترة تميع على هذا النحو هي فترة تأخير وتأجيل لوعد اللّه بالنصر والتمكين .. وهي تبعة ضخمة هائلة يجب أن يتدبرها أصحاب الدعوة إلى اللّه، وهم واعون مقدرون. [1]
وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف:35]
فاصْبِرْ يا مُحمّدُ على ما تُلاقِيهِ مِنْ تكْذِيبِ قومِك لك، كما صبر أصْحابُ القُوّةِ والثِّباتِ، مِن الرُّسُلِ الذِين سبقُوك، على تكْذِيبِ أقْوامِهِمْ لهُمْ حِينما أبْلغُوهُمْ دعْوة اللهِ إِلى الإِيمانِ بِهِ. ولا تسْتعْجِلْ بِسُؤالِ ربِّك أنْ يُنزِل بِهِم العذاب، فهُو واقعٌ بِهِمْ لا محالة. وأِنّهُمْ حِينما ينْزِلُ بِهِم العذابُ يوم القِيامة يروْن أنّ مُدّة لبِثِهِمْ في الدُّنيا (أوْ في قُبُورِهِمْ) كانتْ قصِيرةً، حتّى ليحْسبُوها ساعةً مِنْ نهارٍ.
وهذا الذِي وُعِظْتُم بِهِ لكافٍ في الموعِظةِ، ولا يهلِكُ بالعذابِ إِلا الكافِرُون الخارِجُون عنْ طاعةِ اللهِ وأمْرِهِ، لأنّ الله لا يُعذِّبُ إِلا منْ يسْتحِقُّ العذاب .. [2]
أمر تعالى رسوله أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له وأن لا يزال داعيا لهم إلى الله وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين سادات الخلق أولي العزائم والهمم العالية الذين عظم صبرهم، وتم يقينهم، فهم أحق الخلق بالأسوة بهم والقفو لآثارهم والاهتداء بمنارهم.
فامتثل - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربه فصبر صبرا لم يصبره نبي قبله حتى رماه المعادون له عن قوس واحدة، وقاموا جميعا بصده عن الدعوة إلى الله وفعلوا ما يمكنهم من المعاداة والمحاربة، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يزل صادعا بأمر الله مقيما على جهاد أعداء الله صابرا على ما يناله من الأذى، حتى مكن الله له في الأرض وأظهر دينه على سائر الأديان وأمته على الأمم، ف - صلى الله عليه وسلم - تسليما. وقوله: {وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} أي: لهؤلاء المكذبين المستعجلين للعذاب فإن هذا من جهلهم وحمقهم فلا يستخفنك بجهلهم ولا يحملك ما ترى من استعجالهم على أن تدعو الله عليهم بذلك فإن كل ما هو آت قريب، و {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا} في الدنيا {إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} فلا يحزنك تمتعهم القليل وهم صائرون إلى العذاب الوبيل. {بَلاغٌ} أي: هذه الدنيا متاعها وشهوتها ولذاتها بلغة منغصة ودفع وقت حاضر قليل. أو هذا القرآن العظيم الذي بينا لكم فيه البيان التام بلاغ لكم، وزاد إلى الدار الآخرة، ونعم الزاد والبلغة زاد يوصل إلى دار النعيم ويعصم من العذاب الأليم، فهو أفضل زاد يتزوده الخلائق وأجل نعمة أنعم الله بها عليهم. {فَهَلْ يُهْلَكُ} بالعقوبات {إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} أي: الذين لا خير فيهم وقد خرجوا عن طاعة
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2756)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4424، بترقيم الشاملة آليا)