والثاني: أنها تبذر بمال زوجها ولا تمنع أحدًا طلب منها شيئًا منه وهذا قول أحمد والأصمعي ونقله عن علماء الإسلام، وهو أشبه بالحديث؛ لأن المعنى الأول - يشكل على ظاهر قوله تعالى: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وإن كان في معنى الآية وجوه كثيرة قلت: الوجه الأول في غاية من البعد، بل لا يصح للآية؛ ولأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر الرجل أن يكون ديوثًا فحمله على هذا لا يصح - والثاني بعيد؛ لأن التبذير إن كان بمالها فمنعها ممكن، وإن كان من مال الزوج فكذلك، ولا يوجب أمره بطلاقها، على أنه لم يتعارف في اللغة أن يقال: فلان لا يرد يد لامس، كناية عن الجود؛ فالأقرب المراد: أنها سهلة الأخلاق ليس فيها نفور وحشمة عن الأجانب لا أنها تأتي الفاحشة - وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد عن الفاحشة، ولو أراد به أنها لا تمنع نفسها عن الوقاع من الأجانب لكان قاذفًا لها"-"
دفع موهم التعارض:
مسالك العلماء لدفع إيهام ذلك التعارض:
لقد سلك العلماء لدفع إيهام ذلك التعارض بين ظاهر الآية والحديث: مسلكي الجمع والنسخ -
الأول: مسلك الجمع: وذلك من وجوه:
الأول: أن المقصود بالنكاح: الوطء، وأن الآية نزلت في البغايا المشركات؛ وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك، وأن الزاني من المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الأوثان، فمعلوم إذا كان ذلك كذلك؛ أنه لم يعن بالآية: أن الزاني من المؤمنين لا يعقد عقد نكاح على عفيفة من المسلمات، ولا ينكح إلا بزانية أو مشركة، وإذا كان كذلك، فبين أن معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية لا تستحل الزنا، أو بمشركة تستحله"-"