قوله فلما قضيناعليه الموت
اي حكمنا عليه بالموت وجاء الاجل المحتوم بعد ان نشر العلم والدين وقاد الانس والجن والمخلوقات وسخرها لطاعه الله جاءه بعد ذلك الموت
ففي هذه الاية بين الله كيفية موت سليمان وكيف عمى الله عن موته الجان المسخرين له في الاعمال الشاقه فمكث متوكأ على عصاه وهي منسأته مدة طويله نحوا من سنة وسبب تسمية العصا (منساته) دون ذكر العصاء لان المنسأه لها معنيين سوق الابل والتاخير فكانت هذه العصا تسوق الجن الى الاعمال الشاقه واخرت حكم سليمان سنة ومن ثم ارسل الله دابة الارض فاكلت عصاه فخر وسقط على الارض فعلم انه قد مات قبل ذلك بمدة طويله وتبينت الانس والجن ان الجن لايعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس بذلك ولو صح زعمهم ما لبثوا في العذاب المهين مدة طويله
وكذلك كان الناس يتوهمون ان الجن يعلمون الغيب ولكن هذا الخبر اكد للجميع ان الجن لايعلمون الغيب
وفيه رد على الذين يلجئون الى الجن والسحرة والمشعوذين والذين يتعاملون مع الشياطين فقد كان الجن والشياطين يعملون ليلا ونهاره في اعمال شاقه وهو امامهم وما علموا بموته فكيف يعلمون الغيب الذي استاثر الله بعلمه
وفيها دليل حسي ان اجساد الانبياء لاتفنى لان الله حرم على الارض ان تاكل اجساد الانبياء ومن تامل حال نبي الله سليمان مكث سنة كامله ميت
وفيه ان الجن والانس يموتون والله حي لايموت
وفيه دليل على ان سلطان الله باقي وسلطان البشر زائل وغير باقي هارون لما نزل به الموت قال يا من لايزول ملكه ارحم من زال ملكه
وذكر أهل التاريخ أن سليمان كان عمره ثلاثا وخمسين سنة، ومدة ملكه أربعون سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه.
قوله لقد كان لسبأ في مسكنهم اية
لما ذكر الله حال الشاكرين في هذه السوره متمثله في النعم التي اتاها داود وسليمان وكانا مثالين للشكر ذكر بعدها حال الجاحدين لنعمه فذكر قصة قبيلة سبأ القبيلة التي انعم الله عليها بنعم عظيمة نعم حاله الاقامة ونعم حالة الاسفار فاما النعم التي في حاله الاقامة جنتان عن يمين وشمال وبلدة طيبة جمع لهم فيها رغد العيش والامن فيها وطيب الهواء وقلة الامراض ونعمة الالفة والاجتماع والزروع والمياه واما نعمة الاسفار فجعل طريق سفرهم سهل وميسر قرى ظاهرة ومتقاربه وبينه فلا يضيع احد ولا يتيه وجعل سفرهم امنا لاخوف فيه ولايجدون مشقه السفر وامرهم بالاكل منها والشكر ثم ذكر زوالها لكفرهم واتباعهم وسوسة الشيطان
قوله لقد كان لسبا
هي قبيله كانت تسكن بمأرب باليمن، على مسيرة ثلاثة أيام من صنعاء وكانت أرضهم مخصبة ذات بساتين وأشجار متنوعة وزاد خيرهم ونعيمهم بعد أن أقاموا سدا، ليأخذوا من مياه الأمطار على قدر حاجتهم، وكان هذا السد يعرف بسد مأرب، ولكنهم لم يشكروا الله- تعالى- على هذه النعم، فسلبها- سبحانه- منهم.
روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن ابن عباس قال: إن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو أرجل أم امرأة أم أرض؟ فقال: بل هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستة من أولاده العشرة، وهؤلاء أولاد لا يشترط أن يكونوا أولاد مباشرين، المهم أن من صلبه عشرة أولاد، سكن منهم اليمن ستة، قال: وبالشام منهم أربعة: فأما اليمانيون: فمذجح، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير، عربًا كلها، وأما الشامية: فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان) رواه أحمد:
قال ابن كثير رحمه الله عن هذا الحديث: إسناده حسن. وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند: إسناده صحيح.