الصفحة 4 من 719

مُقدِّمة تفسيرِ القرآن من سورة فاطر الى سورة الناس عِبَرٌ وفوائدُ وعِظَاتٌ:

الحَمْدُ لله المبتدئِ بِحَمْدِ نَفْسِهِ قبلَ أن يحمدَه حَامِدٌ، والمُتكلِّمِ بالقرآن، والخَالِقِ للإنسانِ، والمُنْعِمِ عليه بالإيمان، والمُرْسِلِ رَسُولَهُ بالهدى والبيان، محمَّدًا - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ما اختلف المَلَوَانِ وتعاقب الجَدِيدَانِ.

أَرْسَلَهُ بكتابه المُبِينِ الفَارِقِ بين الشَّكِّ واليَقِينِ، شَرَحَ فيه وَاجِبَاتِ الأَحْكَامِ، وفرَّق فيه بَيْنَ الحَلالِ والحرام، وكرَّر فيه المَوَاعِظَ والقَصَصَ للأفهام، وَضَرَبَ فيه الأمثالَ، وَقَصَّ فيه غَيْبَ الأخبار فقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْء} .

فالواجبُ على من خصَّه اللهُ بحفظ كتابه أن يتلوَه حقَّ تِلاوَتِهِ، ويتدبَّرَ حقائقَ عباراته، ويتفهَّمَ عجائبَه، ويتبيَّنَ غرائبَه. قال اللهُ تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِه} .

وقال اللهُ تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} .جَعَلَنَا اللهُ ممَّن يرعاه حقَّ رِعَايَتِهِ، ويتدبَّرُه حقَّ تَدَبُّرِهِ، وَيَقُومُ بِقِسْطِهِ، وَيُوَفِّي بشرطه، ولا يَلْتَمِسُ الهدى في غيره.

وهدانا لأعلامه الظَّاهرة، وأحكامه القاطعة الباهرة، وجمع لنا به خير الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه أَهْلُ التَّقوى، وَأَهْلُ المغفرة.

وَحَاجَةُ الأمَّة ماسَّةٌ إلى فَهْمِ القرآن؛ فقد أَمَرَنَا اللهُ بتدبُّره، وَعَابَ على الكفَّار والمنافقين عَدَمَ تدبُّره؛ {أَمْ عَلَى قُلُوبٍأَقْفَالُهَا} .

فهناك من عاش مع ألفاظه وما عاش مع مَعَانِيهِ، فاهتمَّ بالوسيلة وضيَّع الغايَةَ؛ لأنَّنا إذا فَهِمْنَا القرآنَ، خَشَعْنَا، وإذا خَشَعْنَا، عَمِلْنَا.

ونحن نعلم قَبْلَ كلِّ شيءٍ أن القرآنَ كلامُ الله، تكلَّم به بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ؛ سَوَاءٌ كان مكتوبًا في اللَّوح المحفوظ، أو في الصُّحُفِ الَّتي بين أيدينا.

فالقرآنُ كَلامُ الله، وهو حَبْلُ الله المَتِينُ، والذِّكْرُ الحَكِيمُ، والصِّراطُ المستقيمُ الَّذي لا تَزِيغُ به الأَهْوَاءُ، ولا تلبَّس به الألسنُ، ولا يَخْلُقُ عن كثرة التَّرديدِ، ولا تنقضي عجائبُه، ولا يَشْبَعُ منه العلماءُ.

مَنْ قَالَ به صَدَقَ، ومن عَمِلَ به أُجِرَ، ومن حكم به عَدَلَ، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط الله المستقيم، ومن تَرَكَهُ من جبَّارٍ قَصَمَهُ اللهُ، ومن ابتغى الهُدَى في غَيْرِهِ أضلَّه اللهُ.

القرآنُ رَسَائِلُ من الله لكلِّ مكلَّفٍ؛ فهو هدًى للنَّاس هدايةً علميَّةً، وهدًى للمتَّقين هدايةً علميَّةً وعمليَّةً، وبيِّناتٌ من الهدى على صِدْقِ ما أخبر به- سبحانه - وَعَدْلِ ما حَكَمَ به، والفُرْقَانُ بين الحقِّ والباطل، والهدى والضَّلال، والخير والشَّرِّ، والمؤمن والكافر.

وأيضًا هدًى للمتَّقين؛ فقد تكفَّل اللهُ لِمَنِ اتَّبع القرآنَ بِأَنْ لايضلَّ ولا يشقى.

فالقرآنُ يُحْيِي اللهُ به القلوبَ المَيِّتَةَ، والقرآنُ يَشْفِي اللهُ به القلوبَ المَرِيضةَ، والقرآنُ يُلِينُ الله به القلوبَ القاسية.

فأمَّا القلوبُ الميِّتةُ فاللهُ يقول: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا} ؛ فالقرآنُ حياةُ القلوب، والقرآنُ يشفي اللهُ به القلوبَ المريضةَ من الشُّبُهَاتِ والشَّهوات، و {شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُور} . وماذا في الصُّدور إلاَّ القلوب؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت