الصفحة 5 من 719

والقرآنُ يُلِينُ اللهُ به القلوبَ القَاسِيَةَ؛ {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ الله} ؛ لأنَّ القُلُوبَ إذا ماتت أو مَرِضَتْ أو قَسَتْ ثَقُلَتْ عليها الطَّاعاتُ، ومالت إلى الشَّهوات؛ فنحن بِحَاجَةٍ ماسَّةٍ إلى تلاوة كتاب الله.

ولنا ثَلاثُ وَقَفَاتٍ مع تلاوة كتاب الله:

الوقفة الأولى: مع تلاوته، فتلاوتُه نوعان:

تلاوةٌ لفظيَّةٌ: رتَّب عليها الشَّرْعُ أجرًا بكلِّ حَرْفٍ حَسَنَةً، والماهرُ بالقرآن مع الكِرَامِ البَرَرَةِ.

والنَّوعُ الثَّاني: تِلاوَةٌ حُكْمِيَّةٌ؛ وهي الغايةُ من تِلاوَتِهِ، وعليها تقوم السَّعادةُ والشَّقاوةُ؛ تصديقُأَخْبَارِهِ، وَتَنْفِيذُأَحْكَامِهِ؛ فيفهمون معناه، ويعملون بمقتضاه.

قال ابن تيمية: «مَنْ فَهِمَ القُرْآنَ فهمًا كاملًا فهو من أَعْلَمِ النَّاس» .

فالكافرُ قد يحفظ القرآنَ لكن لايَفْهَمُهُ؛ {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْأَكِنَّةً أَنْيَفْقَهُوه} ؛ فلم يَنْزِلِ القرآنُ كلامًا يُتْلَى فقط، بل جَعَلَهُ اللهُ مَنْهَجًا للحياة.

وَفِيهِ تَجَارِبُ الدَّعْوَةِ في الأرض، وأسبابُ هلاكِ الأُمَمِ؛ فالقرآنُ حُجَّةٌ لك أو حُجَّةٌ عليك.

فيا صاحبَ القرآن: إذا أَخَذْتَ في تِلاوَةِ أو استماعِ القران وخصوصا حِزْبِ المفصَّل (ق إلى النَّاس) فتنبَّه؛ فإنَّه مِسْكُ خِتَامِهِ، وَأَفْضَلُ أحزابه.

قال ابنُ مَسْعُودٍ فيه: «هو لُبَابُ القُرْآَنِ» .

وسمَّاه ابنُ عبَّاسٍ «المُحْكَمَ» ؛ لِنُدْرَةِ مُتَشَابِهِهِ، ولا يُزَهِّدَنَّكَ فيه قِصَرُ سُوَرِهِ؛ فالمعوِّذتان أَحَبُّ إلى الله من سُورَتَيْ هُودٍ وَيُوسُفَ بالنَّصِّ الثَّابت عن رسوله.

فعن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قال: قلتُ يا رسول الله أقرئني سُورَةَ يوسف وسُورَةَ هودٍ. قال: «يَا عُقْبَةُ، اقْرَأْ بِسُورَةِ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَقْرَأَ بِسُورَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللهِ وَأَبْلَغَ مِنْهَا، فَإِذَا اسْتَطَعْتَ أَلاَّ تَفُوتَكَ فَافْعَلْ. رواه الحاكمُ.

وقد تَوَاتَرَ أن غَالِبَ قراءتِه - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - في الفريضة كانت من المُفَصَّلِ؛ فقد ذَكَرَ أبو داودٍ من حديث عمرو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّه قال: «مَا مِنَ المفصَّلِ سورةٌ صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلاَّ وقد سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَؤُمُّ النَّاسَ بها في الصَّلاةِ المَكْتُوبةِ» .رواه أبو داوود (814) و اللفظ له، و البيهقي (4179) فَأَحْضِرْ قَلْبَكَ وتدبَّره، تجده يهدي إلى الحقِّ، وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ.

أمَّا بَعْدُ:

فقد أكرمني اللهُ - تعالى -وهو الكريمُ الَّذي لا أَكْرَمَ منه، والعَظِيمُ الَّذي لا أَعْظَمَ منه، والرَّحِيمُ الَّذي لا أَرْحَمَ منه بِصُحْبَةِ كتابه بعد تخرُّجي في كلِّيَّةِ الشَّريعةِ 1412 هـ، ولقد كان من أَكْبَرِ أُمْنِيَّاتِي الَّتي أرجو اللهَ أن يحقِّقَها لي، أن أتوجَّه لكتابه تفسيرًا وحفظًا وعلمًا وعملًا.

وَعَسَى اللهُ المنَّانُ بفضله الواسع العَطَاءِ، والَّذي عطاؤه على غير قِيَاسِ المخلوقين أن يُعِينَ على تفسير كتابه.

وقد بَدَأْتُ بِتَفْسِيرِ سورة الفاتحة، وكتبتُها في أَوْقَاتٍ متفرِّقةٍ بحسب ما يَسْمَحُ به الوَقْتُ. واللهَ أرجو إِتْمَامَ النِّعْمَةِ.

وقد وفَّقني اللهُ - تعالى - لإتمام تَفْسِيرِ حِزْبِ المُفَصَّل كاملًا، مع تفسير سورة الفاتحة، وآية الكرسيِّ، وآيتين بعدَها، وخواتيم سورة البقرة، والحزب السادس من القران من فاطر الى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت