الصفحة 23 من 719

العُرْوَةُ الوُثْقَى هي الإسلامُ، والعُرْوَةُ هي الَّتي لا تَنْفَكُّ ولا تَنْقَطِعُ؛ لأنَّها كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ.

لا انْفِصَامَ لَهَا؛ لأنَّها مُحْكَمَةٌ وَقَوِيَّةٌ؛ فلا إكراهَ في الدُّخول في الإسلام؛ لأنَّ الدُّخُولَ في الإسلام يكون باقتناعٍ، ولا يُجْبَرُ أَحَدٌ؛ لأنَّ أَعْمَالَ القلوب لا يَصْلُحُ فيها الإكراهُ، لَكِنْ مَنْ دَخَلَ في الإسلام يُلْزَمُ بِجَمِيعِأحكام الإسلام.

{وَاللَّهُسَمِيعٌعَلِيمٌ} فيجازي كلاًّ منهما بحسب ما عَلِمَهُ منهم من الخير والشَّرِّ، وهذا هو الغَايَةُ لِمَنِ اسْتَمْسَكَ بالعروة الوُثْقَى، وَلِمَنْ لم يستمسك بها.

قوله: {اللَّهُوَلِيُّالَّذِينَآمَنُوايُخْرِجُهُممِّنَالظُّلُمَاتِإِلَاالنُّورِ} .

بعد أَنْ بَيَّنَ اللهُ طَرِيقَ الجَنَّةِ والنَّار، وأمرنا بالإسلام، ونهانا عن الكفر، وتبيُّن الرُّشْدِ من الغيِّ، بَيَّنَ لنا هنا النَّتيجة.

فَمَنْأَسْلَمَ، واتَّبَعَ الرُّشْدَ، فاللهُ يَتَوَلَّاهُ، ويُخْرِجُهُ من الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ، وهو على نورٍ من ربِّه.

ومن كفر بالله، واتَّبع سبيلَ الغيِّ، تولاَّه الشَّيْطَانُ، وَيَهْدِيهِ إلى عذاب السَّعير، ويُخْرِجُهُ من النُّورِ إلى الظُّلُمَاتِ؛ {مَنيَعْشُعَنذِكْرِالرَّحْمَنِ} وهو القرآنُ {نُقَيِّضْلَهُشَيْطَانًافَهُوَلَهُقَرِينٌ} .

-خواتيم سورة البقرة:

تفسير خَوَاتِيمِ سورة البقرة؛ فَقَدْ أعطى اللهُ نبيَّه محمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - «خواتيمَ سورة البقرة» «مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلَهُ» . رَوَاهُأَحْمَدُ.

وَمَنْ تَدَبَّرَ هذه الآَيَاتِ وَفَهِمَ ما تضمَّنَتْهُ من حَقَائِقِ الدِّين، وقواعد الإيمان الخمس، والرَّدِّ على كلِّ مُبْطِلٍ، وما تضمَّنته مِنْ كَمَالِ نِعَمِ الله- تعالى - على هذا النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وأمَّته، ومحبَّة الله- سبحانه - لهم، وَتَفْضِيلِهِ إيَّاهم على مَنْ سِوَاهُمْ، عَلِمَ عِظَمَ هاتين الآَيَتَيْنِ.

فهي مكمِّلة لسورة البقرة، وهي تكفي صاحبَها الشُّرُورَ، وَتَكْفِيهِمن العمل وقيام اللَّيل وغيره.

ففي البخاريِّ: «مَنْ قَرَأَ بالْآيَتَيْنِ مِنْ آخر سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» . كَفَتْهُ عن قيام اللَّيل؟ قيل: «كَفَتَاهُ من الشَّيطان» .

وقيل: «كَفَتَاهُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ» . ولاشَكَّأنَّ لَهَا نُورًا معنويًّا للملازم لقراءتهما، وَنَفْعًا حِسِّيًّا مَلْمُوسًا.

وعند مسلمٍ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - انْتُهِيَ بِهِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثَلَاثًا، أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ» .

لمَّا كانت «سُورَةُ البَقَرَةِ» سِنَامَ القرآن، وَأَكْثَرَ سُوَرِهِ أَحْكامًا، وَأَجْمَعَهَا لقواعد الدِّين؛ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَذُكِرَ فيها اسمُ الله الأَعْظَمُ، وأعظمُآَيَةٍ في كتاب الله، وَذُكِرَ مَنْشَأُ البَشَرِ، وَمَخَازِي بَنِي إسرائيل، ثمَّ تَشْرِيعُ الصَّلاةِ، والصِّيَامِ، والحجِّ، والزَّكاة، والقصاص، والأحوال الشَّخصيَّة، وحقوق الأبناء، والنِّساء، وحقوق المال، وتحريم الرِّبا، فكانت هي سنامَ القرآن؛ لطولها، وكثرة الأحكام فيها.

وفي الحديث: «اقْرَءُوا سورةَ البقرة؛ فإنَّها بَرَكَةٌ، وَتَرْكُهَا حَسْرَةٌ، ولا تستطيعها البَطَلَةُ» . رواه مسلم، و عند أحمد و الدرامي بلفظ (تعلَّموا) ، وهكذا شَيْئًا فَشَيْئًا إلى آخر السُّورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت