الصفحة 22 من 719

وبالمثال يتَّضح المقال؛ فالأبُ لو أَرْسَلَ ابْنَهُ ليشتري له غرضًا ما ثمَّ تفاجأ الأبُأَنَّ الابْنَ لَمْ يَشْتَرِ الغَرَضَ، وَأَخَذَ شيئًا آخر، فالأب عاجزٌ عن أن يغيِّر أو يحبِّب لابنه ما يريد هو.

لكنَّ اللهَ - سبحانه - وله المثلُ الأعلى قادرٌأن يلقي في قلوب العباد الخير والشَّرَّ؛ فمن يؤمن بالله يَهْدِ قلبه.

فمن يرد الله أن يهديَه يَشْرَحْ صدرَه للإسلام، ومن يُرِدْأَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صدرَه ضيِّقًا.

اللهُ - سبحانه- عَلِمَأنَّ فِرْعَوْنَ كَافِرٌ، وعلم ما في قلبه، أنَّه إذا تبيَّن له الحقُّ لن يتَّبعه، ومع ذلك أرسل له موسى - عليه السلام - من باب إقامة الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَتَبَيُّنِ مَنْهَجِ الدَّعْوَةِ.

فواجبُنا الدَّعْوَةُ إلى الله - عزَّ وجلَّ - والبيانُ، والجهادُ في سبيل الله لمن عاند بعد أن عرف الحقَّ، فهذا يجب علينا أن نجاهده، أمَّا أَنْ نُكْرِهَهُ على الدُّخول في الإسلام، ونجعل الإيمان في قلبه، فهذا ليس لنا، وإنَّما هو رَاجِعٌ إلى الله سبحانه وتعالى.

فنحن نبيِّن للنَّاس هذا الدِّينَ، ثم نجاهد أَهْلَ العناد وَأَهْلَ الكفر والجحود؛ حتَّى يتبيَّن الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ؛ فلا إِكْرَاهَ في الدِّين. هذا عند الدُّخول في الإسلام.

لكن بعد الدخول في الاسلام يُلْزَمُ الدَّاخِلُ في الإسلام بجميع الأحكام، ومن ارْتَدَّ فهذا يُقْتَلُ؛ لأنَّه كَفَرَ بعد إسلامه، وترك الحقَّ بعد معرفته؛ فهو عُضْوٌ فاسدٌ.

{فَمَنيَكْفُرْبِالطَّاغُوتِ} فسَّره ابنُ القيِّم بأنَّه يتبرَّأ ويتخلَّى عن كلِّ مَعْبُودٍ، أو مَتْبُوعٍ، أو مُطَاعٍ.

فالتَّبرُّؤُمن كلِّ مَعْبُودٍ كالأصنام ونحوها، والتَّبرُّؤُمن المتبوع، كالأحبار والرُّهبان، فإنهم طَوَاغِيتُ إذا حلَّلوا ما حرَّم اللهُ.

والتَّبرُّؤمن المطاع، كالأمراء، وذوي الجَوْرِ، والسُّلطة تشريعيَّةً أو نظاميَّةً. فمن يكفر بالطَّاغوت؛ أي: يتبرَّأ منه.

قوله: {وَيُؤْمِنبِاللَّهِ} .

الإيمانُ هو التَّصْدِيقُ المتضمِّن الاستسلامَ والانقيادَ، وهو يتضمَّن أَرْبَعَةَ أُمُورٍ:

1 -الإيمانُ بِوُجُودِ الله. هل رَأيتَه؟ الجوابُ: لا، ولكن آَمَنْتَ به بالعقل والفِطْرَةِ؛ عَلِمْتَ بِوُجُودِ الله، فكيف عرفتَه؟ عَرَفْتَهُ بِأَسْمَائِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ.

أمَّا مَخْلُوقَاتُهُ فَسَمَاءٌ ذَاتُأَبْرَاجٍ، وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، وَبِحَارٌ ذَاتُأَمْوَاجٍ، أَلَا تَدُلَّانِ عَلَى السَّمِيعِ البَصِيرِ.

وكيف عَرَفْتَهُ بِأَسْمَائِهِ؟ عَرَفْتَ ذَلِكَ عن طريق الوَحْيِ؛ فَيَجْتَمِعَ العَقْلُ والوَحْيُ في مَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.

وإذا تبيَّن لنا هذا، فمن يستحقُّ العبادة غيرُ اللهِ - سبحانه وتعالى - الخَالِقُ الرَّازِقُ المُدَبِّرُ الَّذي له مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وَلَا شَرِيكَ لَهُ في ذلك؟ فَهُوَ وَحْدَهُ من يستحقُّ العبادة.

وما عداه لا يَخْلُقُ، ولا يَرْزُقُ، ولا يُدَبِّرُ الأَمْرَ، ولا يَمْلِكُ شَيْئًا.

ومن هنا، فالإيمانُ بالله يكون بالإيمان بوجوده، وبربوبيَّته، وأسمائه، وصفاته، وألوهيَّته؛ أي أنَّه هو المستحقُّ للعبادة.

قوله: {فَقَدِاسْتَمْسَكَبِالْعُرْوَةِالْوُثْقَالَاانفِصَامَلَهَا} اسْتَمْسَكَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، حينما تَحْذِفُ الأَلِفَ والسِّينَ؛ أَيْ: تَمَسَّكَ بالإسلام وأوامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ حتَّى الممات.

استمسك؛ أي: تمسَّك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت