الصفحة 21 من 719

هذه الآيَةُ نَزَلَتْفي رِجَالٍ من الصَّحابة كان لهم أولادٌ قد تهوَّدوا وتنصَّروا قبل الإسلام، فلمَّا جاء الإسلامُ، أَسْلَمَ الآباءُ وأرادوا إكراهَ الأولاد على الدِّين، فنهاهم اللهُ - سبحانه - عن ذلك؛ حتَّى يكونواهم الَّذين يختارون الدُّخولَ في الإسلام.

والمعنى أنَّ هذا الدِّينَ بَيِّنٌ وَاضِحٌ، تَقْبَلُهُ الفِطَرُ والعقولُ، وأنَّأحدًا لا يدخله عن كراهيةٍ، وإنَّما يدخله عن اقتناعٍ، وعن محبَّةٍ وَرَغْبَةٍ.

فالأمرُ وَاضِحٌ؛ فلا إِكْرَاهَ في الدِّين؛ أَيْ: لا إِكْرَاهَ في الدُّخول في الإسلام؛ أَيْ: مَا أَحَدٌ يُكْرَهُ على الدُّخول في الدِّين إلاَّ عن قَنَاعَةٍ؛ فلا يُجْبَرُ؛ لأنَّه اقْتِنَاعٌبالقلب، ولا يمكن أن نتصرَّف في القلوب، وأن نجعلها مؤمنةً. هذا بِيَدِ الله عزَّ وجلَّ.

هُوَ مُقَلِّبُ القلوب، وهو الَّذي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ.

قوله: {قَدتَّبَيَّنَالرُّشْدُمِنَالْغَيِّ} ؛ الرُّشْدُ في الأَصْلِ هو حُسْنُ المَسْلَكِ، أَوْ حُسْنُ التَّصرُّفِ، والمُرَادُ به هنا الإِسْلامُ، والإيمانُ باللهِ.

والغَيُّ هو سُوءُ التَّصَرُّفِ، أو سُوءُ المَسْلَكِ، وهو الكُفْرُ، والمُرَادُ به الضَّلالَةُ على عِلْمٍ؛ فاختار الضَّلالَةَوطَرِيقَ الضَّلالَةِ على عِلْمٍ.

والصَّحِيحُأنَّ الآَيَةَ على عُمُومِهَافي حقِّ كلِّ كَافِرٍ؛ فإمَّا أن يَدْخُلُوا في الدِّين، وإمَّا أَنْ يُعْطُوُا الجِزْيَةَ.

وَمَنْ تَأَمَّلَ سيرةَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - تبيَّن له أنَّه لم يُكْرِهْأحدًا على دِينِهِ قَطُّ، إنَّما يقاتل مَنْ قاتله.

أمَّا مَنْ هَادَنَهُ فلم يُقَاتِلْهُ مَادَامَ مُقِيمًا على هُدْنَتِهِلَمْ يَنْقُضْ عَهْدَهُ، وَهَادَنَ قُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَحتَّى نَقَضُوا العَهْدَ.

فلا يُكْرِهُ أحدًا على الدُّخول في الإسلام بَعْدَأَنْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ، وَهُوَ الإِسْلامُ مِنَ الغَيِّ، وَهُوَ الكُفْرُ.

بماذا تبيَّن الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ؟ قالوا: بأربعة أُمُورٍ:

1 -تبيَّن الرُّشْدُ من الغَيِّ بكتاب الله؛ فقد تبيَّن الحقُّ من الباطل، والصَّلاحُ من الفساد، والرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ؛ فالقُرْآَنُ تِبْيَانٌ لكلِّ شَيْءٍ.

2 -السُّنَّةُ المطهَّرَةُ تَدُلُّ على الرُّشْدِ؛ فوضَّحت المُجْمَلاتِ وَالمُبْهَمَاتِ.

3 -ممَّا يدلُّ على الرُّشْدِ هَدْيُ رَسُولِ اللهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وسلوكُه في عبادته ومعاملته ودعوته.

4 -ممَّا يدلُّ على الرُّشْدِ سُلُوكُ الخُلَفَاءِ الرَّاشدين وطريقتُهم.

هذه الأُمُورُ والطُّرُقُ الأَرْبَعَةُ تبيِّنُ الرُّشْدَ من الغَيِّ؛ فَمَنْ دَخَلَ في الإسلام دَخَلَ في الرُّشْدِ، وَمَنْأَبَى بَقِيَ على الغَيِّ؛ وهو الكُفْرُ.

ومن هنا لا يُكْرَهُ أَحَدٌ على الدُّخول في الإسلام؛ أَيْ: ما أَحَدٌ يُكْرَهُ على الدُّخول في الدين إلاَّ عن قَنَاعَةٍ؛ فلا يُجْبَرُ؛ لأنَّهُ شَيْءٌ في القلب، واقتناعٌ في القلب، ولا يمكن أن نتصرَّف في القلوب، وأن نجعلها مؤمنةً؛ لأنَّ القلوبَ بِيَدِ اللهِ؛ إن شاء أقامها، وإن شاء أزاغها.

وهو الَّذي يَهْدِي من يشاء، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت