الصفحة 20 من 719

ثمَّ عَقَّبَهُ بأنَّه لاسَبِيلَ للخَلْقِإلى عِلْمِ شَيْءٍ من الأشياء إلاَّ بعد مشيئته لهم أن يعلموه.

أي: لا يطَّلع أَحَدٌ من عِلْمِ الله عَلَى شيءٍ إلاَّ بما أعلمه الله.

فَعِلْمُ الله لا يستطيع أَحَدٌأَنْ يَعْلَمَهُ إِلاَّ إذا علَّمه اللهُ؛ {وَلَايَأْبَكَاتِبٌأَنيَكْتُبَكَمَاعَلَّمَهُاللَّهُ} .

قوله: {وَسِعَكُرْسِيُّهُالسَّمَاوَاتِوَالْأَرْضَ} هاههنا ذَكَرَ - سبحانه - سَعَةَ كُرْسِيِّهِ منبِّهًا به على سَعَتِهِ؛ فاللهُ وَاسِعٌ كَبِيرٌ وَعَظَمَتُهُ وَعُلُوُّهُ.

عنِ ابنِ عبَّاسٍ أَنَّهُ قالَ: «الكُرسِيُّ موضِعُ القَدمَينِ، والعَرشُ لا يَقْدِرُ قدْرَهُ إلاَّ اللهُ عزَّ وَجَلَّ» .

وهذا يَدُلُّ على كَمَالِ عَظَمَتِهِ، وَسَعَةِ سُلْطَانِهِ؛ فإذا كانت هَذِهِ حَالَةَ الكُرْسِيِّ أنَّهُ يَسَعُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ على عَظَمَتِهِمَا، وَعَظَمَةِ مَنْ فيهما، والكرسيُّ ليس أَكْبَرَ مخلوقات الله- تعالى - بل هناك ما هو أعظمُ منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلاَّ هو، وفي عظمة هذه المخلوقات تُحَيَّرُ الأفكارُ- فكيف بعظمة خالقها ومبدعها؟

قال ابن عبَّاسٍ: «كرسيُّه مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ، والعَرْشُ لا يقدر قَدْرَهُ إلاَّ اللهُ عزَّ وجلَّ» .

فيه إثباتُ صِفَةِ القَدَمَيْنِ لله، وهيصِفَةٌ لله -تعالى - حَقِيقَةً على ما يَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ.

عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَالَ: «يُلْقَى فِي النَّارِ، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ أو قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ» متفق عليه.

فالبخاريُّ قال: «قَدَمَهُ» .

فأمَّا النَّارُ فلا تمتلئُ حتَّى يضعَ اللَّهُ - تبارَك وتعالى - رِجْلَهُفتَقُولُ النار: قَطْ قَطْ. فَهنالِك تمتلئُ ويزوي بعضُها إلى بعضٍ، ولا يظلِمُ اللَّهُ من خلقِه أَحَدًا، أَمَّا الجنَّةُ فإنَّ اللَّهَ ينشِئُ لَها خلقًا؛ «ولِكِلَيْكُمَا عليَّ ملؤُها» متفق عليه.

{وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} أَخْبَرَ عن كَمَالِ اقْتِدَارِهِ، وأنَّه لايَتْعَبُ؛ أي: لا يُعْجِزُهُ ولا يُثْقِلُهُ ولا يَشُقُّ عليه حِفْظُ السَّماوات والأرض.

فاللهُ - سبحانه - مع سَعَةِ مُلْكِهِ، وَكَثْرَةِ خَلْقِهِ لا يُعْجِزُهُ ولا يُثْقِلُهُ حِفْظُهُمَا، وهذه تَوْطِئَةٌ بَيْنَ يَدَيْ ذِكْرِ علوِّه وعظمته.

وهذه الآَيَةُ تَحْكِي عن قُدْرَةِ الله في حِفْظِ خَلْقِهِ وَسَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، وهي من آَيَاتِ الحِفْظِ.

{وَهُوَالْعَلِيُّالْعَظِيمُ} خَتَمَ الآَيَةَ بِهَذَيْنِ الاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ الدَّالَّيْنِ على علوِّ ذاته وعظمته في نَفْسِهِ؛ فهوالعَلِيُّ في ذاته، والعَلِيُّ في قَهْرِهِ، والعَلِيُّ في صفاته؛ فهو العَلِيُّ عُلُوَّ الذَّات، وَعُلُوَّ الصِّفات، والعَظِيمُ في ذاته، والعَظِيمُ في صفاته.

فَاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ على أَنْوَاعِ التَّوحيد، وعلى إحاطة مُلْكِهِ، وإحاطة عِلْمِهِ، وَسَعَةِ سُلْطَانِهِ وَجَلالِهِ وَمَجْدِهِ، وعظمته وكبريائه، وعلوِّه على جميع مخلوقاته.

فهذه الآيةُ بمفردها عَقِيدَةٌ في أسماء الله وصفاته، متضمِّنةٌ لجميع الأسماء الحسنى والصِّفات العلا.

فَبَعْدَأَنْ بَيَّنَ اللهُ لنا صِفَاتِهِ، وَعَظَمَتَهُ، وَسَعَةَ مُلْكِهِ، وَكَثْرَةَ خَلْقِهِ، وقدرتَه، كأنَّه يقرِّرلنا من الَّذي يستحقُّ العبادة.

وما دامت هذه صفاتِه فهو الإلهُ الحقُّ، وَإِنْ جَحَدَهُ الجاحدون، وعدل به المشركون.

{لَاإِكْرَاهَفِيالدِّينِ} هذا نَفْيٌ في معنى النَّهْيِ؛ أَيْ: لاتُكْرِهُوا أحدًا على الدِّين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت