الصفحة 19 من 719

فهو قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَمُقِيمٌ لِغَيْرِهِ، مُسْتَغْنٍ عن خَلْقِهِ، وَجَمِيعُ خَلْقِهِ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ؛ فهو- سبحانه - قَائِمٌ على كلِّ شَيْءٍ، والقائمُ بِشِئُونِ خَلْقِهِ من حيث رَزَقَهَمُ ونعَّمهم وَدَفَعَ الضُّرَّ وَجَلَبَ النَّفْعَ؛ يقال: «قَيِّمُ البيت القَائِمُ بشئونه» .

{الحيُّ القيُّومُ} هما الاسْمُ الأَعْظَمُ لله؛ لأنَّهُمَا يدلاَّن على سائر أسماء الله الحسنى.

قوله: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} .

مِنْ تَمَامِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ انْتِفَاءُ الآَفَاتِ جَمِيعِهَا عنه؛ مِنَ النَّوْمِ والسِّنَةِ والعَجْزِ وَغَيْرِهَا؛ فلا تأخذه سِنَةٌ ولا نَوْمٌ.

الإنسانُ له حَيَاةٌ، ويتخلَّلها نَوْمٌ، والنَّوْمُ جُزْءٌ مِنَ المَوْتِ، والسِّنَةُ مُقَدِّمَةٌ للنَّوْمِ.

ولكن اللهُ لا تأخذه سِنَةٌ ولا نَوْمٌ؛ حَيَاةُ اللهِ دَائِمَةٌ؛ فلو نَامَ- سبحانه - لَغَفَلَ عن جَمِيعِ خَلْقِهِ.

وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ» . رواهُ مُسْلِمٌ.

فهو القَائِمُ على خَلْقِهِ بما يُصْلِحُهُمْ، لا يَغْفَلُ، ولا يَنَامُ.

{لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} هاهنا ذَكَرَ كَمَالَ مُلْكِهِ؛ أي: هو المَالِكُ، وما سِوَاهُ مَمْلُوكٌ، وهو الخَالِقُ الرَّازِقُ المدبِّرُ، وَغَيْرُهُ مَخْلُوقٌ مَرْزُوقٌ مُدَبَّرٌ.

فالمُلْكُ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وكلَّ صباحٍ نقول: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ للهِ وَالحَمْدُ للهِ.

فَلَهُ مُلْكُ السَّماوات والأرض، ولا شَرِيكَ له في ذلك، وَمُلْكُ النَّاسِ في الدُّنيا مُلْكٌ مَجَازِيٌّ لا تَتَصَرَّفُ فيه إلاَّ بإذنٍ، وَتُحَاسَبُ عليه.

فاللهُ يَمْلِكُ النَّاسَ وما مَلَكُوا، كما في تَلْبِيَةِ كفَّارِ قُرَيْشٍ: تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ.

تذهب الأملاكُ والمُلُوكُ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ ذهبت الدُّنْيَا وذهب معها سلطةُ الملوك، ذهبت الدُّنيا وذهب معها غِنَى الأغنياء، ذهبت الدُّنيا وذهب معها فَقْرُ الفقراء، {وَعَنَتِالْوُجُوهُلِلْحَيِّالْقَيُّومِ} .

والفقير مَنْ لَقِيَ ربَّه، وعنده سيِّئاتٌ، وليس معه حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ.

قوله: {نذَاالَّذِييَشْفَعُعِندَهُإِلَّابِإِذْنِهِ} هاههنا ذَكَرَ وَحْدَانِيَّتَهُ في مُلْكِهِ.

فلا أَحَدَ يَسْتَطِيعُأن يَشْفَعَ ويتوسَّط لأَحَدٍ عند الله إلاَّ بِإِذْنِهِ.

فلا يَشْفَعُ أَحَدٌ لأَحَدٍ يَوْمَ القيامة إلاَّ بعد أن يَأْذَنَ اللهُ له بالشَّفاعة، حتَّى النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - لا يشفع لأَحَدٍ إلاَّ بعد أن يَأْذَنَ اللهُ له، فيُقال له: «يا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» متفق عليه.

والشَّرطُ الثَّاني فَبَعْدَأَنْ يأذن للشَّافِعِأَنْ يرضى عن المشفوع له؛ فلو كان كافرًا فلا يأذن له؛ {فَمَاتَنفَعُهُمْشَفَاعَةُالشَّافِعِينَ} .

فالشَّفاعةُ بِيَدِ الله، وَلَنْ يَشْفَعَ أَحَدٌ إلاَّ بعد أن يَأْذَنَ اللهُ له بأن يَشْفَعَ ويرضى عن المشفوع؛ يقول الله سبحانه وتعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاواتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} .

قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} هاههنا ذَكَرَ سَعَةَ عِلْمِهِ وإحاطته؛ أي: يَعْلَمُ ماضيهم وحاضرَهم ومستقبلَهم.

عِلْمُ اللهِ كَامِلٌ، وَعِلْمُ الإنسان نَاقِصٌ؛ فاللهُ يَعْلَمُ مَاضِيكَ وَحَاضِرَكَ وَمُسْتَقْبَلَكَ، وَيَعْلَمُ الأَشْيَاءَ قَبْلَ وقوعها.

قوله: {وَلَايُحِيطُونَبِشَيْءٍمِّنْعِلْمِهِإِلَّابِمَاشَاءَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت