الصفحة 24 من 719

فَخَتَمَهَا اللهُ - تعالى - بآياتٍ جَوَامِعَ مقرِّرةٍ لجميع مضمون السُّورة، فقال تعالى: {لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الارض وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} .

فأخبر- سبحانه -أنَّ لَهُ ما في السَّماوات وما في الأرض، وما فيهنَّ وما بينهنَّ، وأنَّه المطَّلِعُ على ما فيهنَّ، وأنَّه ملكُه وَحْدَهُ، لا يشاركه فيه مُشَارِكٌ. وهذا يتضمَّن انْفِرَادَهُ بالمُلْكِ الحَقِّ، والمُلْكِ العامِّ لكلِّ مَوْجُودٍ.

{وَإِنتُبْدُوامَافِيأَنفُسِكُمْ} قَالَ ابْنُ كثيرٍ: «فَأَخْبَرَ في هذه بمزيدٍ على العلم، وهو المحاسبةُ على ذلك؛ فهو- سبحانه - سيحاسب عبادَه على ما فَعَلُوهُ، وما أَخْفَوْهُ في صدورهم» .

وهذه الآَيَةُ الكَرِيمَةُ لمَّا نَزَلَتْ، اشْتَدَّذلك على كَثِيرٍ من الصَّحابة - رضي الله عنهم - وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جَلِيلِ الأعمال وَحَقِيرِهَا، وهذا من شدَّة إيمانهم ويقينهم، وهي قوله تعالى: {لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الارض وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [2] .

شقَّ عليهم هذا الأمر، وجاءوا للنَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وذكروا أنَّ هذا شَيْءٌ لا يُطِيقُونَهُ، فقال لهم صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ مَنْ قَبْلَكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» . رواه مسلم.

فقالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. فلمَّا قالوها وذلِّلَت لها ألسنتُهم، أَنْزَلَ اللهُ بعدها قوله سبحانه: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إليه مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمن بِاللّهِ وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أحد مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} .

والصَّحابةُ - رضي الله عنهم - ظنُّوها تَكْلِيفًا، فقالوا: «كُلِّفْنَا بالصَّلاة والزَّكاة والصِّيام فَأَطَعْنَا، وقد أُنْزِلَ عليك هذه الآية ولا نطيقُها» .

فهم استجابوا مِنْأوَّل السُّورة إلى آخرها إلاَّ هاهنا؛ كلِّفْنَا ما لا نُطِيقُ وقالوا: «يا رسولَ الله، هَلَكْنَا إِنْ كُنَّا نؤاخذ بما تكلَّمْنَا وبما نعمل، فأمَّا قلوبُنا فَلَيْسَتْ بأيدينا» .

فأرشدهم نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: «قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» .

فَزَالَ هَذَا الإِشْكَالُ، والحمدُ لله، فتجوِّز لهم عن حديث النَّفْسِ، وَأَخَذُوا بالأعمال، وصار المؤمنُ غَيْرَ مُؤَاخَذٍ إلاَّ بما عَمِلَهُ، أو قَالَهُ، أو أَصَرَّ عليه بقلبه؛ عملًا بقلبه، كإصراره على ما يقع له من الكِبر والنِّفاق ونحو ذلك.

أمَّا الخواطر والشُّكوك الَّتي تَعْرِضُ ثمَّ تزول بالإيمان واليقين، فهذه لا تَضُرُّ، بل هي عارضةٌ من الشَّيطان لا تضرُّ، وكراهيةُ الوَسْوَسَةِ السَّيِّئَةِ من الإيمان.

وقيل: إِنَّهَا منسوخةٌ بقوله تعالى: {لَايُكَلِّفُاللَّهُنَفْسًاإِلَّاوُسْعَهَا} وهو قَوْلُ أَكْثَرِ المفسِّرين.

فخواتيمُ سُورَةِ البقرة هي مكمِّلة للسُّورة، وَمُجْمِلَةٌ في هاتين الآيتين؛ فكلُّ ما أَمَرَ اللهُ به ونهى عنه مِنَ الأَوَامِرِ والنَّواهي في سورة البقرة اخْتُصِرَ في هاتين الآيتين.

قوله: {آمن الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إليه مِن رَّبِّهِ} هَذِهِ شَهَادَةٌ من الله- تعالى - مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِلِرَسُولِهِ - عليه الصَّلاة والسَّلام - والمؤمنين بِكَمَالِ إيمانه بما أُنْزِلَ إليه من ربِّه.

{وَالْمُؤْمِنُونَ} قال ابنُ كَثِيرٍ: «والمؤمنون عَطْفٌ على الرَّسول، ثمَّ شَهِدَ - تعالى- للجميعبأنَّهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فتضمَّنت هذه الشَّهاَدَةُ إيمانَهم بقواعد الإيمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت