أيُّهما أهمُّ: الرَّأْسُ أم الجناحان؟
الأهمُّ هو الرَّأْسُ؛ فلو قُطِعَ الرَّأْسُ، مَاتَ الطَّائِرُ، لكن لو قُطِعَ الجناحان، لا يَمُوتُ، وإنَّما يَظَلُّ عُرْضَةً لكلِّ مَنْ يريد أن يَصِيدَهُ، أَوْ يَذْبَحَهُ.
لذلك لابدَّ مِنَ التَّوَازُنِ، مِثْلَ الطَّعَامِ؛ هناك مِقْدَارٌ من الماء، وَمِقْدَارٌ من المِلْحِ، وَمِقْدَارٌ من الزَّيْتِ، وَمِقْدَارٌ مِنَ البُهَارَاتِ، لَكِنْ لَوْ زَادَ وَاحِدٌ منها على الآَخَرِ ما الَّذي يَحْدُثُ؟
هذه الوَجْبَةُ تَفْسَدُ؛ إمَّا فسادًا كلِّيًّا، أو فسادًا جزئيًّا؛ فتذوَّق الطَّعام، تَجِدْهُ مَالِحًا، أو تَجِدْهُ غَيْرَ مُنَاسِبٍ.
وطريقةُ المؤمنين هي الجمعُ بين المحبَّةِ والرَّجَاءِ والخَوْفِ. هذا هو الإيمانُ، وهذا هو طريقُ الحقِّ.
وبما أنَّ التَّوْحِيدَ يَقُومُ على المحبَّة والتَّعظيم، فيجب عليك أنتحبُّ اللهَ بِقَلْبِكَ كلِّه، وَتُرْضِيهِ بِجُهْدِكَ كُلِّهِ.
و المَحَبَّةُ تنقسمُ إلى أربعةِ أنواعٍ:
1 -محبَّةٌ شِرْكِيَّةٌ: وهي محبَّةُ الأصنامِ، والأوثانِ، وكلِّ ما يُعْبَدُ من دونِ اللهِ.
يقولُ اللهُ تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أشد حُبًّا لِلَّهِ} .
2 -محبَّةٌ محرَّمةٌ: وهي محبَّةُ مَنْ يُبْغِضُهُ اللهُ - سبحانه وتعالى - من الممنوعاتِ، والمنهيَّاتِ، والمحرَّماتِ، ومن ذلك محبَّةُ المشرِكينَ، والكفَّارِ.
3 -محبَّةٌ طَبِيعيَّةٌ: وهي محبَّةُ الإنسان لأولادِهِ، ولأَبَوَيْهِ، ولزوجتهِ، ولأصدقائِهِ.
لكن متى يُؤَاخَذُ الإنسانُ على المحبَّةِ الطَّبيعيَّةِ؟ لا يؤاخَذُ عليها الإنسانُ إلاَّ إذا قَدَّمَهَا على محبَّةِ اللهِ ورسولِهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنَّهُ حِينَئِذٍ يَأْثَمُ؛ {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .
فإذا قدَّمَ محبَّةَ هذهِ الأشياءِ على ما يحبُّهُ اللهُ ورسولُهُ، فإنَّه مُتَوَعَّدٌ بهذا الوعيدِ.
4 -محبَّةٌ واجِبَةٌ: وهي محبَّةُ أولياءِ اللهِ، وهي المحبَّةُ في اللهِ، والموالاةُ للهِ - عزَّ وجلَّ - فَأَوْثَقُ عُرَى الإيمان، وأعظم ما يَعْبُدُ به العَبْدُ رَبَّهُ حُبُّ أهل التَّوحيدِ، وَبُغْضُ أَهْلِ الشِّرْكِ.
ومختصرُ القول {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} إِفْرَادُ اللهِ بالعبادة، وهي الإخلاصُ، ونَظِيرُهَا {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} لا تخافوا إلاَّإيَّاي، {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} لا تتَّقون إلاَّإيَّايَ؛ {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} .
قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} : أوَّلُ السُّورة ثَنَاءٌ على الله، وغايتُها {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وَوَسِيلَةُ العبادة الاسْتِعَانَةُ بَعْدَهَا.
جاء الطَّلبُ وهو أَعْظَمُ مطلوبٍ، وهو أَفْضَلُ دُعَاءٍ، وَأَوْجَبُ دُعَاءٍ، وَأَعْظَمُ دُعَاءٍ، وبه سعادةُ الدُّنْيَا والآخرة.
فتطلب الهِدَايَةَ ممَّن هو قَادِرٌ عليها، وهي بيده؛ إن شاء أعطاهاعَبْدَهُ، وَإِنْ شَاءَ، مَنَعَهُإيَّاها.