حَقُّ الله العِبَادَةُ، وَحَقُّ العَبْدِ الاسْتِعَانَةُ، وَمِنْ ثَمّفَأَشْرَفُ المَنَازِلِ العُبُودِيَّةُ؛ لأنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ، وَبِأُلُوهِيَّتِهِ يُوَحِّدُونَهُ، فإذا قَامَ العَبْدُ بِمَا خُلِقَ لَهُ، شَرُفَ وَكَمُلَ.
{وَاِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . طَلَبُ العَوْنِ على أداء حقِّه؛ فإنَّه لاحَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ بالله، وهي تَجْمَعُ أَصْلَيْنِ؛ الثِّقَةَ، والاعْتِمَادَ على الله.
وكلَّمَّا كانت العُبُودِيَّةُ لله أَتَمَّ، كَانَتِ الإِعَانَةُ مِنَ اللهِ أَتَمَّ.
وفيها أَنْفَعُ الدُّعَاءِ طَلَبُ العَوْنِ على مَرْضَاتِهِ، ولذلك اعلم أنَّهُ إذا لم يُعِنْكَ اللهُ على عبادته، لا تستطيع تأديتها.
وَمِثَالُ ذلك: إذا حاولت حمل طَاوِلَةٍ ثَقِيلَةٌ، فلم تَسْتَطِعْ، فاستعنتبرجلٍ، فإن لم يساعدك فإنك لا تستطيعحَمْلَهَا.
وإذا تَبَيَّنَ هذا، فإخلاصُ العِبَادَةِ لله وَحْدَهُ هو تَوْحِيدُ العبادة؛ لا نَعْبُدُ إلاَّ اللهَ.
وأركانُ العبادة ثَلاثَةٌ: الحُبُّ، والخوفُ، والرَّجاءُ.
فأساسُ العِبادةِ اجتماعُ المحبَّةِ، والرَّجَاءِ، والخوفِ؛ خلافًا لِفِرَقِ الضَّلال؛ فالصُّوفيةُ تعبدُ اللهَ بالمحبَّةِ فقطْ دونَ الخوفِ والرَّجَاءِ، ويقولون: لا نعبدُ اللهَ خوفًا مِنْ نارِهِ، ولا طمعًا في جنَّتِهِ، وإنَّما نعبدُهُ؛ لأنَّنا نُحِبُّهُ.
وهذا ضلالٌ والعِيَاذُ باللهِ؛ لأنَّ الرُّسُلَ والملائكةَ أَفْضَلُ الخَلْقِ؛ يخافون اللهَ ويرجونَهُ؛ {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} .
وهناك مَنْ عبدَ اللهَ بالرَّجاءِ فقط، وهم الْمُرجِئَةُ الَّذين يعتمدون على الرَّجاءِ، ولا يخافون من الذُّنُوبِ والمعاصِي، يقولون: الإيمانُ بالقلب، ويرتكبون المحرَّمات، ويتركون الواجبات بِحُجَّةِأنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وهناك من يعبدونَ اللهَ بالخوفِ، فيأخذونَ بنصوصِ الوعِيدِ، ويتركُونَ نُصوصَ الوعْدِ والخوفِ والرَّحمة.
سَمِعَ أَحَدُ الإخوةِ مَوْعِظَةً من واعظ فقال: «إذا سَمِعْتَهُ، تَيْأَسْ مِنَ النَّجَاةِ» ، كلُّه تَخْوِيفٌ وَتَقْنِيطٌ من رَحْمَةِ الله.
وَمِنْ هُنَا أَسَاسُ العبادة الحبُّ، والخَوْفُ، والرَّجَاءُ؛ فالحبُّ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ولا تَحْصُلُ العُبُودِيَّةُ بدون مَحَبَّةٍ وَتَعْظِيمٍ؛ فالتَّوْحِيدُ يقتضي أن تحبُّ الله بقلبك كلِّه وترضيه بجهدك كلِّه؛ {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} .
ومحرِّكُ الحبِّ كَثْرَةُ ذِكْرِ الله؛ لِتَعَلُّقِ القلب به، وَمُطَالَعَةِ آلائِهِ وَنِعَمِهِ؛ رُوي ففي الحديث: «أَحِبُّوا اللهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ» رواه الترمذي و أبو نعيم و هو ضعيف.
والخَوْفُ والرَّجَاءُ مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ.
المحبَّةُ مِثْلُ المَرْكَبُ الَّذي يَرْكَبُ عليه الإِنْسَانُ، والرَّجاءُ مثلُ الحادي الَّذي يحدو الإنسان إلى المسير، يَقُودُهُ إلى الخير، والخوفُ مِثْلُ السَّائِقِ الَّذي يَسُوقُ الإنسانَ، وَيَزْجُرُهُ إلى المُوَاصَلَةِ، والغرضُ طَمَعٌ في الثَّوَابِ وَخَوْفٌ مِنَ العقاب.
ذكر ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ - في المدارج مثلًا آَخَرَ جميلًا: إِنَّ القَلْبَ مِثْلُ الطَّائِرِ، الحُبُّ رَأْسُهُ، والرَّجَاءُ والخَوْفُ جَنَاحَاهُ.