الصفحة 14 من 719

والفَقِيرُ يَوْمَ القيامة مَنْ عِنْدَهُ سيِّئَاتٌ، وليس عِنْدَهُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ؛ ذَهَبَتِ الدُّنيا، وما بَقِيَ إلاَّ الحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ.

{يَوْمِ الدِّينِ} يَوْمِ الجزاء، يَوْمِ الحساب، يَوْمِ القيامة؛ {اليَوْمَ تُجْزَى كلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} ؛ {وْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} ، يَوْمَ العدالة، يَوْمَ القصاص، يَوْمَ يَقْتَصُّ المظلومُ مِنَ الظَّالِمِ، يَوْمَأَدَاءِ الحقوق.

فَفِي الحَدِيثِ: «لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه مسلم.

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} .

وقولُه تعالى: {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} .

وَمِنْ هُنَا إذا قَرَأْنَا: {مَالِكِ يَوْمِ الدَّين} قال اللهُ: «مَجَّدَنِي عَبْدِي» .

فاللهُ ذَكَّرَنَا في بداية الفاتحة بِأَنْ نَحْمَدَهُ وَنَذْكُرَ نِعَمَهُ؛ حتَّى نحبَّه، فأثنى اللهُ على نفسه بأنَّ له الحَمْدَ، وأنَّهُ مَخْصُوصٌ له، وَأَثْنَى على نفسه بأنَّه رَبُّ الخَلْقِأَجْمَعِينَ، وأنَّ الرَّبَّ الَّذي نحمده ونستعينه ونعبده ليس ربَّ قبيلةٍ، ولا أُسْرَةٍ، ولا بَلَدٍ؛ إنَّما هو ربُّ العَالَمِينَ.

وذكَّرنا بِسَعَةِ رحمته؛ لِنَرْجُوهُ، وَنَدْعُوهُ، فَأَثْنَى على نَفْسِهِ بِأنَّهُ رَحْمَنٌ رَحِيمٌ؛ رَحْمَنُ الدُّنيا والآخرة ورحيمُهما.

وذكَّرنا بيوم الحساب يَوْمَ يَتَجَلَّى فيه مُلْكُ الله وَمَلَكُوتُهُ، ولا ينازعه فيه مُلْكٌ زَائِلٌ، أو حُكْمٌ عَارِضٌ؛ {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا} ؛ لِنَخَافَهُ، فَأَثْنَى على نَفْسِهِ بِأَنَّه مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ؛ {وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّور} ، ويُحَاسِبُ النَّاسَ على أعمالهم، ثمَّ جاء بعدها لِيُعْلِنَ في كلِّ تَأْكِيدٍ.

وَأَكْبَرُ تَعَهُّدٍ يتعهَّدُهُ العَبْدُألاَّ يَعْبُدَإلاَّ اللهَ، ولا يَسْتَعِينَإلاَّ به.

قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} .

كأنَّه يقول لنا: من يستحقُّ العبادةَ؟ لاشكَّأنَّ اللهَ وَحْدَهُ هو مَنْ يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ؛ لأنَّ جَمِيعَ الآلِهَةِ الأُخْرَى كلِّها لا تَخْلُقُ، ولا تَرْزُقُ، ولا تَرْحَمُ، ولا تَمْلِكُ يَوْمَ الحِسَابِ نَفْعًا ولا ضَرًّا، ولا تَمْلِكُ حَيَاةً، ولا مَوْتًا، ولا نُشُورًا.

وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا بَعْدَ الحمد والثَّناء والتَّمجيد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .

فَبَعْدَ الثَّناء أعقبها التَّوسُّلُ بالعبوديَّة، وهذان التَّوسُّلان بالحمد والأسماء، والتَّوسُّلُ بالتَّوْحِيدِ لا يكاد يُرَدُّ معهما دُعَاءٌ إذا وَافَقَ حُضُورَ قَلْبٍ.

قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .

وهذا تَعَهُّدٌ والْتِزَامٌ بِإِخْلاصِ العُبُودِيَّةِ لله.

ولماذا حُصِرَتِ العبوديَّةُ في الله؟ لأنَّه لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ يَسْتَحِقُّ العبادةَ غَيْرُهُ.

فاللهُ هو الإلهُ الحَقُّ، والعبادةُ حَقٌّ له؛ لأنَّه الخالقُ الرَّازقُ المالكُ لِكُلِّ شَيْءٍ.

وَلِهَذَا أَنْكَرَ اللهُ عَلَى مَنْ عَبَدَ غَيْرَهُ؛ {أَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}

الفاتِحَةُ فِيهَا حَقَّانِ؛ حَقٌّ لله، وَحَقٌّ للعَبْدِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت