الصفحة 13 من 719

فقد وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ؛ فأعظمُ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللهُ العَرْشُ، وَأَعْظَمُ صِفَةٍ لله سَعَةُ رَحْمَتِهِ، وَعِلْمِهِ؛ {وَرَحْمَتِيوَسِعَتْكُلَّشَيْءٍ} .

وَرَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ. عن أبي هريرة كَمَا في كتابٍ في الرِّقاق للبخاريِّ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ» .

وَلِمُسْلِمٍ من روايةِ عَطَاءٍ عَنْ أبي هريرة: «إِنَّ للهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ» .

وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا» .

واللهُأَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الوَالِدَةِ الشَّفِيقَةِ على وَلَدِهَا.

واتِّصَافُ الإنسان بالرَّحمة، فَهُوَ خَلْقٌ عَظِيمٌ مَدَحَ اللهُ بها من تخلَّق بها؛ «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللهُ» . متَّفقٌ عليه.

كما في الحديث الشَّريف: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ، يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» رواه أحمد و الترمذي و أبوداوود. والحديث الشَّريف: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» متفق عليه.

الرَّحْمَةُ لها شَأْنٌ عَظِيمٌ، والإنسانُ حينما يقرأ: {الرَّحْمَنِالرَّحِيمِ} يَرْجُو رَحْمَةَ الله، ويتذكَّر كَرَمَهُ.

قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، وفي القراءة السَّبْعِيَّةِ الأخرى المتواترة: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ؛ {مَلِكِ} و {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} . المُلْكُ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ، والمَالِكُ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ.

{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} المُلْكُ الشَّامِلُ المُطْلَقُ الدَّائِمُ، الَّذي لايشاركه فيه أَحَدٌ، وَمُلْكُ البَشَرِ مُؤَقَّتٌ، وَقَلِيلٌ، وَمَحْدُودٌ، ويُمْنَحُ، ويُسْلَبُ، ويَزُولُ.

فالمُلْكُ كلُّه لله؛ أَصْبَحْنَا وَأَمْسَيْنَا وَالمُلْكُ كلُّه لَهُ، ولكنَّه حَصَرَ المُلْكَ له يَوْمَ القيامة؛ {وَلَهُالْمُلْكُيَوْمَيُنفَخُفِيالصُّورِ} .

لأنَّهُ لا أَحَدَ يَأْمُرُ في ذلك اليوم؛ فالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله، وهذا يُورِثُ في القلب الخَوْفَ مِنَ الله؛ لأنَّه يَوْمُ القَصَاصِ.

له ملكُ السَّماوات والأرض، ولكنه - سبحانه -أَعْطَى النَّاسَ مُلْكًا مجازيًّا؛ فلا يتصرَّفون فيه إلاَّ بإذن الله.

وكذلك أَعْطَانَا المالَ، والولدَ، وحدَّد لنا حدودًا؛ لِيَبْلُوَنَا فيما آَتَانا، لَكِنْ يَوْمَ القِيَامَةِ تَذْهَبُ الأَمْلاكُ والمُلُوكُ؛ «يَقْبِضُ الله الأرضَ يوم القيامة، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بيمينه ثمَّ يقول: أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟» منفق عليه.

تذهب الأملاكُ والملوكُ يَوْمَ القيامة، ذَهَبَتْالدُّنْيَا وَذَهَبَ معها سُلْطَةُ الملوك، ذَهَبَتْ الدُّنيا وَذَهَبَ معها غِنَى الأغنياء، ذَهَبَتْالدُّنيا وذهب معها فَقْرُ الفُقَرَاءِ، {وَعَنَتِالْوُجُوهُلِلْحَيِّالْقَيُّومِ} .

يَخْرُجُ مُلُوكُ الأرض يَوْمَ القيامة، والنَّاسُ جميعًا حُفَاةً عُرَاةً بُهْمًا، ليس معهم شَيْءٌ كان لهم في الدُّنيا.

صَوْلَةٌ وَجَوْلَةٌ، وَلَكِنْ إذا بُعِثَ ما في القبور وَحُصِّلَ ما في الصُّدورِ تَتَسَاوَى الأَقْدَامُ كلُّها؛ حفاةً عراةً، لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شيئًا، والأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله؛ فلا أَحَدَ يَأْمُرُ بِشَيْءٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت