فتقول: حَمِدْتُ فلانًا مِنَ البَشَرِ؛ لشجاعته، أو لِكَرَمِهِ، أو لِحِلْمِهِ، أو لِتَوَاضُعِهِ.
اللهُوحده هو الَّذي مَنَحَ هذه الصِّفَاتِ الحَمِيدَةَ للبشر؛ فنحن نَحْمَدُ اللهَ لكمال أسمائه وصفاته.
-النَّوْعُ الرَّابعُ: أنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - مَحْمُودٌ على ما شَرَعَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ، وما أَنْزَلَهُ مِنَ الكُتُبِ؛ لأنَّ البَشَرَ بِدُونِ شَرْعٍهم إلى البهائم أقرب؛ {الْحَمْدُلِلَّهِالَّذِيأَنزَلَعَلَاعَبْدِهِالْكِتَابَوَلَمْيَجْعَللَّهُعِوَجًا} .
-النَّوعُ الخامسُ: أنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - مَحْمُودٌ في كلِّ ما قضاه وقدَّره؛ فهو المَحْمُودُ على كلِّ حَالٍ؛ فإنَّه لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ؛ سَوَاءٌ عَلِمْتَ الحكمة أو لا.
فكلُّ قَضَاءٍ قَضَاهُ فهو خَيْرٌ؛ عَلِمْتَهُ أو لَمْ تَعْلَمْهُ. هذا الخَضِرُ في سورة الكهف صاحبه موسى - عليه السلام -، ولكنَّللخَضِرَعلمًا من الله ليس لموسى، ولو كان من فعل الخضر لكان مذمومًا؛ لأنَّ تَصَرُّفَاتِ البَشَرِتغلب عليها العشوائيَّةٌ، أما إذا كان عَنْأَمْرِ الله فهو مَحْمُودٌ.
ولذلك قال الخَضِرُ: {وَمَافَعَلْتُهُعَنْأَمْرِي} . تَصَوَّرْإنسانًا تَجِدُهُ مُنْقَطِعًا، ثمَّ تَحْمِلُهُ في السَّفينة ثمَّ يقوم بِخَرْقِهَا، فَأَنْكَرَ عليه موسى - عليه السلام -، فقال إنَّ وَرَاءَهُمْ مَلِكًا يأخذ كلَّ سَفِينَةٍ صالحةٍ.
ثمَّ قَتَلَ الغلامَ وقال: {فَكَانَأَبَوَاهُمُؤْمِنَيْنِفَخَشِينَاأَنيُرْهِقَهُمَاطُغْيَانًاوَكُفْرًا} .
فكلُّ ما قضاه اللهُ خَيْرٌ؛ عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ؛ إنَّأَمْرَهُ كلَّهُ خَيْرٌ؛ إِذَا شكر وصَبَرَ.
ومن هنا إذا أراد الله بك خيرًا، فالخِيرَةُ فيما اختار اللهُ، ولو كُنْتَ تَكْرَهُ ذلك؛ فَمَنْ فَقَدَ مالًا أو ولدًا أو زوجةً، وواجَهَ ذلك بالرِّضا، فالله أراد بك خيرًا وقابلتَه بالرِّضا.
فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ؛ فهو مَحْمُودٌ على أفعاله وقضائه وَقَدَرِهِ؛ لأنَّه أراد بالمصاب ثوابًا، أو رَفَعَ أَجْرَهُ على المصيبة.
والمُصَابُ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابُ؛ لأنَّ اللهَ خَبَّأَ له ثوابًا عظيمًا، كما في حديث المَرْأَةِ الَّتي تُصْرَعُ؛ فمنَّا من يرضى، وَمنا مَنْ يَسْخَطُ.
-والنَّوْعُ السَّادِسُ: يُحْمَدُ على تَوَفِّيهِ لأَوْلِيَائِهِ وَثَوَابِهِمْ، وَيُحْمَدُ على عَدْلِهِ وَعُقُوبَتِهِ لأعدائه.
-السَّابِعُ: يُحْمَدُ على كلِّ نِعْمَةٍأَنْعَمَ بها على خَلْقِهِ.
-الثَّامنُ: يُحْمَدُ على إِنْجَازِهِ لِوَعْدِهِ.
فَحَمْدُهُ مَلَأَ الكَوْنَ كُلَّهُ، لَهُ الحَمْدُأَوَّلًا، وآخرًا، وظاهرًا، وباطنًا، وله الحمدُ في الأولى والآخرة.
وفي سورة الفاتحة نَحْمَدُهُ على أربعة أمورٍ كما سيأتي في قوله: {مَالِكِيَوْمِالدِّينِ} .
قوله: {الرَّحْمَنِالرَّحِيمِ} .
اسْمَانِ مِنْأسمائه يَتَضَمَّنَانِ صِفَةً من صفاته، وهي الرَّحمة؛ فالرَّحمنُ والرَّحيمُ اسْمَانِ، والرَّحْمَةُ صِفَةٌ، وفي الدُّعَاءِ: «يا رحمن الدُّنيا والآخرة ورحيمَهما» رواه المنذري في الترغيب و الترهيب و حسنه الألباني.
الرَّحْمَنُ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ شَمِلَتْ جَمِيعَ الخلائق في الدُّنيا؛ بَرًّا وفاجرًا، مؤمنًا وكافرًا، وللمؤمنينفي الآخرة.
أمَّا الرَّحِيمُ فهو ذو رَحْمَةٍ بالمؤمنين؛ {وَكَانَبِالْمُؤْمِنِينَرَحِيمًا} .
قال السُّهَيْلِيُّ: «فِي هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِإِنْبَاءٌ عَنْ رَحْمَةٍ عَاجِلَةٍ، وَآَجِلَةٍ، وَخَاصَّةٍ، وَعَامَّةٍ» . فالرَّحْمَنُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ به -سُبْحَانَهُ - والرَّحِيمُ فِعْلٌ دَالٌّ على تعلُّقِهَا بالمرحوم.