الصفحة 11 من 719

والرَّاجحُ أنَّ البَسْمَلَةَ آَيَةٌ مِنَ القرآن مُسْتَقِلَّةٌ، ليست من الفاتحة ولا مِنْ غَيْرِهَا، وإنَّما أُنْزِلَتْ لافتتاح القراءة بها، وهي -أَيِ البَسْمَلَةَ - مِنْ سُنَنِ الصَّلاة، وَبَعْضُهُمْأَوْجَبَ قِرَاءَتَهَا في الرَّكعة الأولى.

قوله: {الْحَمْدُلِلَّهِرَبِّالْعَالَمِينَ} .

الحَمْدُ من الكلمات البَلِيغَةِ المُعْجِزَةِ، و «الحَمْدُ للهِ» ثَنَاءٌ على المُنْعِمِ بكلِّ نِعْمَةٍأَنْعَمَ بها علينا؛ فَلَهُ المَحَامِدُ والمَدَائِحُ كلُّها بالقلب والجوارح واللِّسان.

والحَمْدُ يكون بالثَّناء بالقلب، واللِّسان، لما يستحقُّه المحمودُ مِنْ صِفَاتِ الكمال والشُّكر؛ يكون في مقابل النِّعْمَةِ؛ فهو -سبحانه - المَحْمُودُ لِذَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْمَدْهُ العبادُ، وَحَمْدُهُ قَدْ مَلَأَ الكَوْنَ كُلَّهُ.

وكلُّ مَوْجُودٍ شَاهِدٌ بِحَمْدِهِ، وهو الإلهُ الحَقُّ، وَإِنْ لَمْ يُؤَلِّهُوهُ، وَإِنْ جَحَدَهُ الجَاحِدُونَ، وَعَدَلَ به المشركون، وهو الواحدُ الأَحَدُ، ولو لم يُوَحِّدْهُ العِبَادُ.

والحَمْدُ نَوْعَان: ِ لما يستحقُّه بنفسه من نعوت الكمال والجمال؛ فنحمده على ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ فَلَيْسَ فيها ما يُذَمُّ؛ فهو مُنَزَّهٌ عن كلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ؛ فالله مَحْمُودٌ على كلِّ شَيْءٍ؛ فَلَهُ الحَمْدُ كلُّه.

وَنَحْمَدُهُ على عَطَائِهِ وإحسانِهِ؛ فقد ربَّانا بجميع النِّعَمِ، فَلَهُ المحامدُ كلُّها، وهو مُسْتَحِقٌّ لها، وما اسْتَحَقَّهَا غَيْرُهُإلاَّ مِنَ الله؛ لأنَّ اللهَ الَّذي أعطاه.

فالإنسانُ يُحِبُّ الشَّيءَإمَّا لِشَيْءٍ فيه صفةٌ عظيمةٌ؛ فمثلًا تحبُّه لأنَّ صَوْتَهُ جَمِيلٌ، أو لأنَّهُ شُجَاعٌ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَرِيمًا، وإمَّا أَنْ تُحِبَّهُ مِنْأَجْلِ الحصول على شَيْءٍ، وكلُّها اجتمعت في الله.

فالحَمْدُ مَدْحٌ وَثَنَاءٌ على الله بِصِفَاتِ الكمال مع المحبَّة والتَّعظيم.

فقد تَمْدَحُ بَشَرًا وأنت لا تُحِبُّهُ؛ إمَّا خوفًا وإمَّا طَمَعًا، والحمد في الحقيقة كلُّه لله؛ فكلُّ نِعْمَةٍ هو مُسْدِيهَا وَمُولِيهَا بِوَاسِطَةٍ، أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، لكن من صَنَعَ لَكَ مَعْرُوفًا من البَشَرِ فَاشْكُرْهُ وَكَافِئْهُ.

نَعَمْ، كُلُّ نِعْمَةٍ فمن الله، وَلَكِنْ نَشْكُرُ مَنْ كَانَ سَبَبًا في إيصال النِّعَمِإِلَيْنَا، مع اعتقاد أنَّها مِنَ الله.

تَصَوَّرْإنسانًا قام بضيافتك، ثمَّ تقول: لا فَضْلَ لَكَ، المِنَّةُ لله وَحْدَهُ. نَعَمِ الفَضْلُ كلُّه لله، وَلَكِنْ جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا في إيصال النِّعْمَةِ لَكَ؛ مَنْ لا يشكر النَّاس لا يشكر الله.

فَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ، والحمدُ لله تَمْلَأُ المِيزَانَ، والحَمْدُ كلُّه لله، وَنَحْنُ حينما نتذكَّر نِعَمَ الله نُحِبُّهُ؛ فَمُحَرِّكُ المحبَّة في القلب ذِكْرُ نِعَمِهِ، وَكَثْرَةُ ذِكْرِهِ.

والحَمْدُ أَنْوَاعٌ كثيرة:

-النَّوْعُ الأَوَّلُ: أَنَّهُ - جلَّ وعلا - مَحْمُودٌ على أنَّه وَاحِدٌ في ربوبيَّته، وأنَّه هو الرَّبُّ المَالِكُ الخالقُ الرَّازقُ المحيي المميت.

-النَّوع الثَّاني: أنَّ اللهَ - جلَّ وعلا - مَحْمُودٌ على ألوهِيَّتِهِ؛ فهو الإلَهُ الحَقُّ، وَمَا عَدَاهُ فهو بَاطِلٌ؛ فهم لا يَخْلُقُونَ، ولا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرُّون.

-النَّوع الثَّالث: أنَّ اللهَ - جلَّ وعلا - مَحْمُودٌ على أسمائه وصفاته؛ فَنَحْمَدُهُ على كمال صِفَاتِهِ، فكلُّ صِفَةٍ من صفاته نَحْمَدُهُ عليها، وعلى آثارها، ومتعلِّقاتها.

فالحَمْدُ يَكُونُمِنْأَجْلِ حُصُولِ نِعْمَةٍ، أو لِصِفَةٍ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت