وَمَنْ تأمَّل الحِكْمَةَ في الاستعاذة من الشَّيطان، عَلِمَأوَّلًا وُجُودَهُ وإن كنَّا لانَرَاهُ.
أمَّا الحِكْمَةُ في الاستعاذةبلفظ السَّميع العليم؛ لأنَّ اللهَ سَمِيعٌ الاسْتِعَاذَةَ، والسَّمْعُ هنا بمعنى سَمْعِ الاستجابة، لا السَّمْعِ العامِّ.
ومرَّةً يُقْرَنُ بالعلم كما في سورة الأعراف والسَّجدة؛ لاقتضاء الحال المستعيذ به؛ فهو يستعيذ بالله من عدوٍّ يعلم أنَّ الله يراه، ويعلم كَيْدَهُوَشَرَّهُ، فهو سَمِيعٌ؛ أي: مُجِيبٌ، وَعَلِيمٌ؛ أَيْ: بِكَيْدِ عَدُوِّهِ، يَرَاهُوَيُبْصِرُهُ.
وفي سورة غافرٍ: {فَاسْتَعِذْبِاللَّهِإِنَّهُهُوَالسَّمِيعُالْعَلِيمُ} ؛ لأنَّ المُسْتَعَاذَ به من البَشَرِ، وهو يُعَايِنُهُ وَيُبْصِرُهُ.
أمَّا نَزَغَاتُ الشَّيطان؛ فَوَسَاوِسُ وَخَطَرَاتٌ يُلْقِيهَا في القلب، ويتعلَّق بها العِلْمُ.
الاستعاذةُ لها شَأْنٌ عَظِيمٌ، شُرِعَتْ قَبْلَ القراءة؛ سَوَاءٌ كُنْتَ في الصَّلاة أو خَارِجَهَا.
قراءةُ القرآن بدون استعاذةٍ وبدون افتقارٍ- أنا مفتقرٌإلى مَعُونَتِكَ - وَبِدُونِ تَبَرُّؤٍ مِنَ الحَوْلِ وَطَلَبٍ للتَّوفيق، يَخْلِطُ عَلَيْهِ صَلاتَهُ، وَقِرَاءَتَهُ، وَدُعَاءَهُ.
فليس كلُّ قَارِئٍ للقرآن قارئًا؛ إنَّما القَارِئُ من يَتْلُوهُ، فَيَفْهَمُ مَعْنَاهُ، ويعمل بِمُقْتَضَاهُ.
12 -وَتُشْرَعُ البَسْمَلَةُ؛ وهي آيةٌ مِنْ كِتَابِ الله، وَأَصْلُهَا جُزْءٌ مِنْآَيَةِ النَّمْلِ؛ {إِنَّهُمِنسُلَيْمَانَوَإِنَّهُبِسْمِاللَّهِالرَّحْمَنِالرَّحِيمِ} .
فَأَظْهَرُ الأقوالِ أنَّها آَيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لا تَدْخُلُ في عَدَدِ آَيَاتِ السُّورَةِ، ولا حتَّى الفاتحة.
فالفاتحةُ سَبْعُ آَيَاتٍ بِدُونِهَا، فهي لَيْسَتْ من الفاتحة، ولا مِنْ غَيْرِهَا، إنَّما نَزَلَتْ لافتتاح القراءة بها.
ومعناها: أَبْتَدِئُ تِلاوَتِي متبرِّكًا باسم الله، أو بِكُلِّ اسمٍ لله.
«بسم الله» نَكِرَةٌ دَخَلَتْ فيها جَمِيعُأسماء الله؛ أَبْتَدِئُ تلاوتي متبرِّكًا بكلِّ اسمٍ لله جلَّ وعلا.
أَبْتَدِئُ تِلاوَتِي مستعينًا بالله - جلَّ وعلا - متبرِّئًا من الحَوْلِ والقوَّة؛ فإنَّه لا يستقيم إيمانُ عَبْدٍ حتَّى يتبرَّأ مِنَ الحَوْلِ والقوَّة.
وَشُرِعَتِ البَسْمَلَةُ عِنْدَ كُلِّأَمْرٍ؛ أَبْدَأُ تِلاوَتِي مثلًا، أَوْ شُرْبِي، أو طَعَامِي، أو لِبَاسِي، أو قِرَاءَتِي، أو نَحْوَ ذلك، متبرِّكًا بكلِّ اسْمٍ هو لله جلَّ وعلا.
وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ هل هي من الفاتحة أم لا؟ والَّذي عليه أَهْلُ التَّحْقِيقِأنَّها ليست من الفاتحة، وأنَّ {صِرَاطَالَّذِينَأَنْعَمْتَعَلَيْهِمْ} آَيَةٌ، و {غَيْرِالْمَغْضُوبِعَلَيْهِمْوَلَاالضَّالِّينَ} آَيَةٌ في الحديث القُدْسِيِّ: «قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (الفاتحة: 1) سبق تخريجه. وَلَمْ يَقُلْ: «بسم الله الرَّحمن الرحيم» ، بل ابْتَدَأَ بالحمد.
-فائدة البَسْمَلَةِ: بَرَكَةٌ وَتَحْصِينٌ وَاسْتِعَانَةٌ.
أَمَرَنَا اللهُ بِالبَسْمَلَةِ؛ مَصْلَحَةً لنا؛ لِنَطْلُبَ البَرَكَةَ والزِّيَادَةَ مِنَ الخير، وَمِنَ الثَّواب في الصَّلاة والتِّلاوة، وَنَطْلُبَ المَنْفَعَةَ، وَدَفْعَ المضرَّة في الطَّعام والشَّراب.
والبَرَكَةُ نوعان: بَرَكَةُ ذَوَاتٍ، وهذه خاصَّةٌ بالأنبياء، وَبَرَكَةُ أَعْمَالٍ؛ فالقرآنُ مُبَارَكٌ، والسُّنَّةُ كذلك.