والهدايةُ مَعْرِفَةُ الحَقِّ، وَالعَمَلُ به؛ فاللهُ المتفرِّدُ بالهداية الموجبة للاهتداء؛ فيدعوه للهداية للصِّراط المستقيم، وهي أَعْظَمُ حاجاته، وأعزُّ مَطَالَبِه.
بُعِثَ مِنْأَجْلِهَا الرُّسُلُ، وأُنْزِلَتْ لَهَا الصُّحُفُ، وقام عليها سُوقُ الجنَّة؛ لاقِيمَةَ لِشَيْءٍ في الحياة إذا فُقِدَتْ، ولا نَقْصَ في الحياة إذا وُجِدَتْ.
ووقوفُ الإنسان في الصَّلاة، وهو يقرأ الفاتحة ساهيًا لاهيًا غافلًا خَيْبَةٌ وَحِرْمَانٌ وخسرانٌ.
بل إنَّ انْصِرَافَ القَلْبِ عن الله في الصَّلاة بَلاءٌ عَظِيمٌ.
ونحن حينما نَطْلُبُ الهدايةنَطْلُبُ هدايةَ الإرشاد والتَّوفيق، ونقول: «اللَّهُمَّ زِدْنَا هُدًى وَثَبَاتًا» .
لذلك جاء في غير موضعٍ في القرآن الأَمْرُ لِمَنْ هو مُمْتَثِلٌ للأَمْرِ؛ فالنَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - هو سيِّدُ المتَّقين، وَأَمَرَ بالتَّقْوَى.
وفي الفاتحة يطلب الهداية وهو مُهْتَدٍ، وفي سورة النِّساء ينادي أَهْلَ الإيمان، وَيَأْمُرُهُمْ بالإيمان.
وهذا يَتْبَعُ قَاعِدَةً في اللُّغَةِ؛ أَنَّ فِعْلَ الأَمْرِإذا أَمَرَ بهمن هومُؤْتَمِرٌ به ومتحقِّقٌ به، أووُصِفَ بِشَيْءٍ وهو مُتَّصِفٌ به، أو كان متَّصفًا بهذا الوصففَأَمَرَ به- يُفِيدُ بذلك شَيْئَيْنِ:
-الأوَّلُ: أن يحقِّقَ الأَكْمَلَ، وَيَرْتَقِيَ فيه إلى درجة الكمال، فيسعاإلى تَحْقِيقِ الكمال فيه.
-والثَّانِي: الثَّبَاتُ عليه، والمُدَاوَمَةُ والاستمرارُ.
وكأنَّ سَائِلًا يَسْأَلُ: أَيُّ صِرَاطٍ؟ فَجَاءَ بَعْدَهَا: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وهم مَنْ عَرَفَ الحقَّ واتَّبَعَهُ، فعرفوا الحقَّ من الباطل، وَآَثَرُوا الحقَّ على الباطل؛ فإنَّه لا يكفي معرفة الحقِّ مالم تَعْمَلْ به؛ فالصِّرَاطُ هو الإسلامُ، ولا إِسْلامَ بِدُونِ قُرْآنٍ وَسُنَّةٍ.
{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ثمَّ التَّبَرُّؤُ مِنْ طَرْفَيْ الانْحِرَافِ؛ فالأوَّلُأَهْلٌ الغضب بِسَبَبِ فَسَادِ القَصْدِ وَالعَمَلِ؛ فَأَسْرَفُوا في العِنَادِ.
وهم مَنْ عَرَفَ الحَقَّ وَتَرَكَهُ، فَحَلَّ عليهم الغَضَبُ. لذلك وَصَفَ اللهُاليَهُودَ: {يعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} ، لَكِنْ كَفَرُوا به.
وَيَلْحَقُ بِهِمْ كُلُّ مَنْ عَرَفَ الحَقَّ وَتَرَكَهُ.
{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} والتَّبرُّؤُ مِنَ الطَرَفِ الآَخَرِ في الانْحِرَافِ؛ أَهْلِ الضَّلالِ بِسَبَبِ فَسَادِ العِلْمِ والاعتقادِ، فوقعوا في الضَّلال.
وهم مَنْ عَبَدَ اللهَ عَلَى جَهْلِ تصوُّرٍ؛ رَجُلٌ عَرَفَأنَّ الصَّلاةَ حَقٌّ وَلَمْ يُصَلِّ، وَرَجُلٌ آَخَرُ ذَهَبَ يُصَلِّي المَغْرِبَ خَمْسًا، فَوَقَعَ في الضَّلالِ. لِذَامَنْ فَارَقَ الدَّلِيلَ ضَلَّ السَّبِيلَ.
قال ابْنُ القَيِّمِ: «فَأَوَّلُ السُّورَةِ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهَا هِدَايَةٌ، وَآَخِرُهَا نِعْمَةٌ» .
وَحَظُّ العبد من النِّعْمَةِ على قَدْرِ حَظِّهِ مِنَ الهِدَايَةِ، وَحَظُّهُ مِنْهَا على قَدْرِ حَظِّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، فَعَادَ الأَمْرُ كلُّه إلى النِّعْمَةِ والرَّحْمَةِ، وهما مِنْ لَوَازِمِ الرُّبوبيَّةِ.