وهذا فيه بيان عظمة الله عز وجل وكماله وكمال كبريائه، وأنه سبحانه وتعالى من عظمته لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، بخلاف المخلوقين فإنه يشفع عندهم الشفيع من دون إذنهم، فيأتي الشافع للسلطان أو للأمير أو للغني ويشفع من دون أن يأذن له، وأما الله عز وجل فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه؛ لكمال عظمته، ونبينا صلى الله عليه وسلم الذي هو أوجه الناس عند الله لا يبدأ بالشفاعة أولًا بل يأتي ويسجد تحت العرش، فيحمد الله بمحامد تفتح عليه في ذلك الموقف، ثم يأتيه الإذن من الرب، فيقول الله تعالى له: (يا محمد! ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع) ، فيأتي الإذن، وكذلك إذا شفع للعصاة الموحدين يحد الله لهم حدًا، فالشفاعة لا بد لها من شرطين: أولهما: إذن الله للشافع أن يشفع، والثاني: رضاه عن المشفوع له
ثم وصفهم وهم من خشيته مشفقون اي خائفون لا يأمنون مكره
ثم توعد بعذاب جنهم من ادعى منهم انه يستحق العبوديه وهذا حكم مقدر لايشترط وقوعه انما هو لبيان عظم هذا الامر كقوله قل ان كان للرحمن ولد وهذا مستحيل و (لئن اشركت ليحبطن عملك)
قوله أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون
ثم اخبر سبحانه انه خلق العالم العلوي والسفلي ليعرف العباد كمال قدرته واحاطة علمه وبديع صنعه التي عمي عنها الكفار فلم يروها رؤية اعتبار وتدبر فانكروا الإلهيته عبدوا معه غيره
قوله اولم ير اي ألم يعلموا أن الله المتفرد بالخلق، والتدبير لما خلق السموات والارض كانتا رتقا اي متلاصقه بعضها ببعض ففتق هذه من هذه. فجعل السماوات سبعا، والأرض سبعا، وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض
قوله وجعلنا من الماء كل شيء حي
أي: أصل كل الأحياء منه
فاخبر سبحانه انه جعل قوام كل شيء بالماء فخلق من الماء كل دابه على اختلاف اشكالها والوانها وحراتها
وجعل قوم الحياة بالماء فحياة الإنسان، وحياة الحيوان، وحياة النبات، قوامها الماء
قوله افلا يؤمنون فيعلمون ان الله الخالق الرازق المدبر ويؤمنون به ويتركون عبادة غيره
قوله وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون
من الادلة على الداله على قدرته وكماله ووحدانيته ورحمته، أنه لما خلق الأرض جعلت تميد وتتحرك فارساها وثبتها بالجبال ولولا ذلك لما استقر عليها انسان ولا نبات ولا حيوان
وجعل من حكمته ورحمته بين الجبال جعل بين تلك الجبال فجاجا سبلا، أي: طرقا سهلة لا حزنة
قوله لعلهم يهتدون اي الى معاشهم ومصالحهم ويهتدون الى وحدانيه الله
قوله وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون
اي جعل السماء سقفا كالقبة للارض التي انتم عليها
وجعلها محفوظة من السقوط ومن استراق الشياطين للسمع
وهم عن اياتها معرضون أي: لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من من كواكب كالشمس والقمر ونحوها لا يتدبرون فيها، ولا يتفكرون فيما توجبه من الإيمان
قوله وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون
ثم ذكر سبحانه من ادلته والداله على قدرته ونعمته بأنه خلق لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليتصرفوا فيه في معايشهم، وخلق الشمس والقمر أي جعل الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، ليعلموا عدد الشهور والحساب