حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا [1] أو وسقين. - وحدثنا عمرو غير مرة فلم يذكر وسقًا أو وسقين فقلت له: فيه وسقًا أو وسقين؟ فقال: أرى فيه وسقًا أو وسقين [2] - فقال: نعم ارهنوني. قالوا: أي شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم. قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيُسبُّ أحدهم فيقال رُهن بوسق أو وسقين هذا عارٌ علينا، ولكنا نرهنك اللأمة - قال سفيان: يعني السلاح - فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة - وهو أخو كعب من الرضاعة- فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة - وقال غير عمرو: قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة- إن الكريم لو دُعي إلى طعنةٍ بليلٍ لأجاب. قال: ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين - قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمى بعضهم. قال عمرو: جاء معه برجلين وقال غير عمرو أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر - قال عمرو: جاء معه برجلين فقال: إذا ما جاء فإني قائلٌ بشعره فأشمه [3] ، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، - وقال مرة ثم أشمكم- فنزل إليهم متوشحًا وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا أي أطيب - وقال غير عمرو قال: عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب - قال عمرو: فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم، فشمه ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم. فلما استمكن منه قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه" [4] ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وروى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أن كعب بن الأشرف كان شاعرًا وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش" [5] ، قلت: فهذا صريح في أنه كان يسب ويهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجه الدلالة من هذا الحديث من وجوه، (أولها) أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى قتل من يؤذيه والأذى كما بينت باقي الروايات وكما هو معروف مستفيض في قصة كعب بن الأشرف كان بالسب والشتم والهجاء، و (منها) أن كعب بن الأشرف كان معاهدًا ذميًا ومع ذلك ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتله دون أن ينبذ إليه عهده، فدل على أن مجرد السب والشتم والهجاء ناقض للأمان، و (منها) أن الصحابة احتالوا عليه لقتله وأوهموه الأمان حتى استمكنوا منه، فدل على أن قتله ليس لمجرد الكفر لأن الكفار لا بد من أن يُعرض عليهم الإسلام قبل القتال والقتل، قال ابن تيمية رحمه الله:"الوجه الثاني من الاستدلال به أن النفر الخمسة الذين قتلوه من المسلمين؛ محمد بن مسلمة، وأبا نائله وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبا عبس بن جبر قد أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتالوه ويخدعوه بكلامٍ يُظهرون به أنهم قد أمنوه ووافقوه ثم يقتلوه، ومن المعلوم أن من أظهر لكافرٍ أمانًا لم يجز قتله بعد ذلك لأجل الكفر، بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم أمَّنه وكلمه على ذلك صار مستأمنًا" [6] ، ثم قال رحمه الله:"وإنما قتلوه لأجل هجائه وأذاه لله ورسوله، ومَن حَلَّ قتلُه بهذا الوجه لم يُعصم
(1) الوسق ستون صاعًا، والصاع من المكاييل
(2) هذه الجملة معترضة من التعدد في أوجه الرواية
(3) أي آخذ بشعر رأسه كأني أريد شم طيبه
(4) صحيح البخاري - 4/ 1481
(5) فتح الباري- 7/ 337
(6) الصارم المسلول - 2/ 179 - 180