الخامس: أن يركب راحلة دون المحمل، ويكون رث الهيئة أشعث أغبر، غير متزين، بل على هيئة المساكين، حتى لا يكتب في جملة المترفين.
السادس: أن ينزل عن الدابة أحيانا ترفيها للدابة وتطييبا لقلب المكاري، وتخفيفا للأعضاء بالتحرك، ولا يحمّل الدابة ما لا تطيق، بل يرفق بها ما أمكن.
السابع: أن يكون طيب النفس بما أنفق من نفقة، وبما أصابه من تعب وخسران، وأن يرى ذلك من آثار قبول الحج فيحتسب الثواب عليه.
وأما أسراره فكثيرة نرمز منها إلى فنّين: أحدهما أنه وضع بدلا عن الرّهبانية التي كانت في الملل كما ورد به الخبر؛ فجعل الله سبحانه الحج رهبانية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
فشرف البيت العتيق، وأضافه إلى نفسه، ونصبه مقصدا لعباده وجعل ما حواليه حرما لبيته تفخيما لأمره، وجعل عرفات كالميدان على فناء حرمه، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره، ووضعه على أمثال الملوك ليقصده الزوار من كل فج عميق، ضعفاء غبرا (1) ، متواضعين لرب العالمين، خضوعا لجلاله، واستكانة لعزته، مع الاعتراف بتنزهه عن أن يكتنفه بيت، أو يحويه مكان، ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم. ولذلك كلفهم أعمالا غريبة لا تناسب الطبع والعقل، ليكون إقدامهم بحكم محض العبودية، وامتثال الأمر من غير معاونة باعث آخر. وهذا سر عظيم في الاستعباد، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لبّيك بحجّة حقّا وتعبّدا ورقّا» .
الفن الثاني: أن هذا السفر وضع على مثال سفر الآخرة، فليتذكر المريد بكل عمل من أعماله أمرا من أمور الآخرة موازيا له، فإن فيه تذكرة للمتذكر، وعبرة للمعتبر المستبصر. فتذكر من أول سفرك عند وداعك أهلك، وداع الأهل في سكرات الموت، ومن مفارقة الوطن الخروج من الدنيا، ومن ركوب الجمل ركوب الجنازة، ومن الالتفاف في أثواب الإحرام الالتفاف في أثواب الكفن، ومن دخول البادية إلى الميقات ما بين الخروج من الدنيا إلى ميقات القيامة، ومن هول قطّاع الطريق سؤال منكر ونكير، ومن
(1) غبر: جمع أغبر. وكانت في الأصل غبراء ولعله تصحيف من الناسخ. ومعنى أغبر ما لونه الغبرة وهي هنا كناية عن التقشف وإذلال النفس.