فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 189

واعلم أن الصوم، بالإضافة إلى مقداره، على ثلاث درجات، وبالإضافة إلى أسراره، على ثلاث درجات. أما درجات مقداره: فأقلها الاقتصار على شهر رمضان، وأعلاها صوم داود عليه السلام، وهو أن تصوم يوما وتفطر يوما؛ ففي الخبر الصحيح، أن ذلك أفضل من صوم الدهر، وأنه أفضل الصيام. وسرّه أن من صام الدهر صار الصوم له عادة، فلا يحس بوقعه في نفسه بالانكسار، وفي قلبه بالصفاء، وفي شهواته بالضعف، فإن النفس إنما تتأثر بما يرد عليها لا بما مرنت (1) عليه، فلا يبعد هذا، فإن الأطباء أيضا ينهون عن اعتياد شرب الدواء، وقالوا: «من تعود ذلك لم ينتفع به إذا مرض، إذ يألفه مزاجه فلا يتأثر به» .

واعلم أن طب القلوب قريب من طب الأبدان، وهو سر قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - لما كان يسأله عن الصوم، فقال عليه السلام: «صم يوما وأفطر يوما» . فقال: «أريد أفضل من ذلك» . فقال عليه السلام: «لا أفضل من ذلك» - ولذلك لما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فلانا صام الدهر» ، فقال عليه السلام: «لا صام ولا أفطر» . كما قالت عائشة - رضي الله عنها - لرجل كان يقرأ القرآن بهذرمة (2) : «إن هذا ما قرأ القرآن ولا سكت» .

وأما الدرجة المتوسطة فهو أن تصوم ثلث الدهر. ومهما صمت الاثنين والخميس وأضفت إليه رمضان، فقد صمت من السنة أربعة أشهر وأربعة أيام، وهو زيادة على الثلث؛ لكن لا بد أن ينكسر يوم من أيام التشريق، وترجع الزيادة إلى ثلاثة أيام؛ ويتصور أن ينكسر في العيدين يومان فتكون ثلاثة أيام، فترجع الزيادة إلى يوم واحد، فتأمل حسابه تعرفه. فلا ينبغي أن ينقص من هذا القدر صومك، فإنه خفيف على النفس، وثوابه جزيل.

وأما درجات أسراره فثلاث: أدناها أن يقتصر على الكفّ عن المفطرات، ولا يكف جوارحه عن المكاره؛ وذلك صوم العموم وهو قناعتهم بالاسم. الثانية: أن تضيف إليه كف الجوارح، فتحفظ اللسان عن الغيبة والعين عن النظر بالزينة وكذا سائر

(1) مرنت: اعتادت وألفت.

(2) الهذرمة: الإسراع في القراءة والكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت