فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 189

المتوسطين، فتزيد على الواجب ولو شيئا يسيرا، فإن مجرد الواجب حدّ البخلاء. قال الله سبحانه وتعالى: {إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوْا} [محمد:37] . أي يستقصي عليكم فتبخلوا. فاجتهد أن لا ينقضي عليك وقت إلا وتتصدق بشيء وراء الواجب، ولو بكسرة خبز، فترتفع بذلك عن درجة البخلاء. فإن لم تملك شيئا فليست الصدقة كلها في المال، لكن كل كلمة طيبة، وشفاعة ومعونة في حاجة، وعيادة مريض، وتشييع جنازة، وفي الجملة أن تبذل شيئا مما تقدر عليه من جاه ونفس وكلام، لتطييب قلب مسلم، فيكتب جميع ذلك لك صدقة.

وحافظ في زكاتك وصلاتك وصدقتك على خمسة أمور:

الأول: الإسرار؛ فإن في الخبر أن صدقة السر تطفئ غضب الرب. والذي يتصدق بيمينه بحيث لا تعلم شماله هو أحد السبعة الذين يظلّهم الله، يوم لا ظل إلا ظله؛ وقد قال الله تعالى: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:271] . وبذلك تتخلص عن الرياء، فإنه غالب على النفس وهو مهلك، ينقلب في القلب - إذا وضع الإنسان في قبره - في صورة حية، أي يؤلم إيلام الحيّة؛ والبخل ينقلب في صورة عقرب. والمقصود في كل الإنفاق الخلاص من رذيلة البخل، فإذا امتزج به الرياء، كان كأنه جعل العقرب غذاء الحية، فما تخلص من العقرب ولكن زاد في قوة الحية، إذ كل صفة من الصفات المهلكات في القلب إنما غذاؤها وقوّتها في إجابتها إلى مقتضاها.

الثاني: أن تحذر من المنّ؛ وحقيقته أن ترى نفسك محسنا إلى الفقير متفضلا عليه، وعلامته أن تتوقع منه شكرا أو تستنكر تقصيره في حقك وممالأته عدوك استنكارا يزيد على ما كان قبل الصدقة؛ فذلك يدل على أنك رأيت لنفسك عليه فضلا؛ وعلاجه أن تعرف أنه المحسن إليك بقبول حق الله منك؛ فإن من أسرار الزكاة تطهير القلب، وتزكيته عن رذيلة البخل وخبث الشح؛ ولذلك كانت الزكاة مطهرة إذ بها حصلت الطهارة، فكأنها غسالة نجاسة؛ ولذلك ترفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته من أخذ الزكاة، وقال عليه السلام: «إنها أوساخ أموال الناس» ، وإذا أخذ الفقير منك ما هو طهرة لك فله الفضل عليك. أَرأيت لو كان فصّاد أفصدك مجانا وأخرج من باطنك الدم الذي تخشى ضرره في الحياة الدنيا أَكان الفضل لك أم له؟ فالذي يخرج من باطنك رذيلة البخل وضررها في الحياة الآخرة أولى بأن تراه متفضلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت