فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 61

إن الفقهاء يتناولون حكم هذه المسألة من زاويتين: الزاوية الأولى: حكم ابتداء غير المسلم بالسلام. الزاوية الثانية: حكم رد السلام على غير المسلم. وقد أجمل الإمام النووي الكلام في مذاهب العلماء في هذه المسألة انطلاقا من هاتين الزاويتين. وننقل كلامه هنا بحروفه ثم نعقبه بالتعليق وبيان ما يترجح عندنا في المسألة. يقول النووي -في تعليقه على حديث أبي هريرة، مرفوعًا-:"لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطروه إلى أضيقه" [1] :"واختلف العلماء في رد السلام على الكفار، وابتدائهم به، فمذهبنا: تحريم ابتدائهم به، ووجوب رده عليهم، بأن يقول: وعليكم، أو عليكم فقط، ودليلنا في الابتداء: قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام". وفي الرد قوله: - صلى الله عليه وسلم:"فقولوا وعليكم". وبهذا الذي ذكرناه عن مذهبنا قال أكثر العلماء وعامة السلف. وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام، روي ذلك عن ابن عباس، وأبي أمامة، وابن أبي محيريز، وهو وجه لبعض أصحابنا، حكاه الماوردى ... واحتج هؤلاء بعموم الأحاديث بإفشاء السلام، وهي حجة باطلة؛ لأنه عام مخصوص بحديث:"لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام". وقال بعض أصحابنا: يكره ابتداؤهم بالسلام ولا يحرم. وهذا ضعيف أيضًا؛ لأن النهي للتحريم، فالصواب: تحريم ابتدائهم. وحكى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم به للضرورة والحاجة أو سبب. وهو قول علقمة والنخعي. وعن الأوزاعي أنه قال: إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون. وقالت طائفة من العلماء لا يرد عليهم السلام ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك. وقال بعض أصحابنا يجوز أن يقول في الرد عليهم: وعليكم السلام، ولكن لا يقول: ورحمة الله -حكاه الماوردي- وهو ضعيف مخالف للأحاديث. والله أعلم" [2] .

(1) الجامع الصحيح، مسلم بن الحجاج، 4/ 1707/2167.

(2) المنهاج، النووي، 14/ 145. وانظر: الدر المختار مع رد المحتار، الحصكفي، 6/ 412؛ المنهاج، النووي، 14/ 145؛ المحرر الوجيز، ابن عطية، 2/ 87؛ البحر المحيط، أبو حيان، 3/ 733؛ لباب التأويل، الخازن، 1/ 405 - 406؛ فتح الباري، ابن رجب، 1/ 44؛ فتح الباري، ابن حجر، 14/ 206.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت