فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 61

المحور الثالث: معالم السلام العالمي في القرآن الكريم بين الناس جميعًا

لقد اشتمل القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة على نصوص تحمل في طياتها معالم كثيرة من السلام العالمي بين كافة البشر، سواء مسلمهم أو غير مسلمهم. وسنكتفي في هذا المحور بذكر أهم تلك المعالم:

المعْلم الأول: الإعلام بأن البشرية كلها خلقت من أصل واحد:

ولا شك أن الشعور بهذه الحقيقة يدعو إلى نبذ النعرات الجاهلية، من التفاخر بالأنساب، والتعصب للقبائل. يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (النساء: 1) يعني خلقكم من أصل واحد، وهو آدم أبو البشر عليه الصلاة والسلام، وإنما أنث الوصف على لفظ النفس، وإن كان المراد به الذكر [1] .

يقول الطبري:"وصف تعالى ذكره نفسَه بأنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد، وعرف عباده كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، ومنبِّهُهم بذلك على أن جميعَهم بنو رجل واحد وأم واحدة، وأن بعضهم من بعض، وأن حق بعضهم على بعض واجبٌ وجوبَ حق الأخ على أخيه؛ لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة، وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حق بعض ..." [2] .

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13) . وقوله: {من ذكر وأثنى} له معنيان: الأول: آدم وحواء، والثاني: أن كل واحد منهم مخلوق من ماء ذكر من الرجال، وأنثى من النساء. والمقصود من كلا المعنيين: نفي التفاضل بينهم بالأنساب [3] . وفي هذا يقول الخازن:" {مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى} ، يعني: آدم وحواء. والمعنى: إنكم متساوون في النسب فلا تفاخر لبعض على بعض لكونكم أبناء رجل واحد وامرأة واحدة. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى إنا خلقنا كل واحد منكم أيها الموجودون من أب وأم، فإن كل واحد منكم خلق كما خلق الآخر سواء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب" [4] .

وفي الحديث:"يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على"

(1) لباب التأويل في معاني التنزيل، الخازن، 1/ 337. وانظر: جامع البيان، الطبري، 6/ 340.

(2) جامع البيان، الطبري، 6/ 339.

(3) انظر: جامع البيان، الطبري، 31/ 382؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 7/ 360.

(4) لباب التأويل، الخازن، 4/ 183. وانظر كلامًا شبيها بهذا في: فتح القدير، الشوكاني، 5/ 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت