التَّهْلُكَةِ (البقرة: 195) . وإن كان الأصل في معنى إلقاء الأيدي إلى التهلكة هنا هو ترك الجهاد أو الإنفاق في سبيل الله، إلا أنه يدخل فيه كل فعل يؤدي إلى هلاك النفس [1] .
وفي حديث أبي هريرة، - رضي الله عنه -، مرفوعًا:"من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًّا فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" [2] .
وقد أصبحت هاتان الآيتان هما الأصل الذي بنى عليه الفقهاء عددًا من الأحكام، التي فيها الترخيص في ترك بعض الواجبات، أو تعاطي بعض المحظورات، حفاظًا على النفس من الهلاك [3] .
يقول الله تعالى عن رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (الأعراف: 157) . والطيبات: هي المستلذات التي تستطيبها النفوس السليمة، وذووا المروءة والأخلاق الجميلة. والخبائث: كل ما تستخبثه الطباع السليمة، وتستقذره النفوس السليمة [4] . وهي متحققة في"كل ما هو خبيث وضار، مما كانوا يتناولونه، كالدم والميتة ولحم الخنزير، أَو يفعلونه كالربا والرشوة" [5] . وقال الماتريدي:"أي: يحل ما هو طيب في العقل والطبع، ويحرم ما هو خبيث في العقل والطبع جميعًا؛ لأن من الأشياء ما هو مستخبث في الطبع لم يجعل غذاء البشر فيه، وإنما جعل غذاءهم فيما هو مستطاب في الطبع بلغ غايته في الطيب" [6] . ويقول أبو زهرة مفسرًا للخبائث:"وهي الأشياء الخبيثة في ذاتها التي تضر الأجسام، كالخنزير والميتة والدم المسفوح، أو تضر العقول كالخمر، أو تلقي بالعداوة بين الناس، كالميسر والبغضاء أو الاعتداء على حق غيره بالسرقة"
(1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/ 390 - 393.
(2) الجامع الصحيح، مسلم بن الحجاج، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، 1/ 103/109.
(3) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني، 2/ 49؛ شرح مختصر خليل، الخرشي، 2/ 261؛ المجموع، النووي، 6/ 258.
(4) لباب التأويل، الخازن، 2/ 12؛ لباب التأويل، الخازن، 2/ 258.
(5) التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 3/ 1524.
(6) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، 5/ 59. وانظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 15/ 381.