فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 61

يؤمنوا، أو يعطوا الجزية [1] . وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولكن الصحيح أنها محكمة غير منسوخة [2] .

المعْلم الرابع: الأمر بتأليف قلوب غير المسلمين ترغيبًا لهم في الإسلام:

إن من مظاهر قابلية الإسلام للتعايش السلمي مع غير المسلمين، أن أمر الله تعالى المسلمين بمعاملة غيرهم بما يؤلف قلوبهم ويرغبهم في الإسلام، وذلك بأخلاقهم الكريمة، وأقوالهم الحسنة، وأفعالهم الطيبة، فقال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة: 83) . وهذا من جملة ما أخذه الله تعالى من الميثاق مع بني إسرائيل، وكانت واجبة عليهم في شرعهم، كما هي واجبة على هذه الأمة في شرعها. يقول النيسابوري:"ولا شك في وجوب هذه التكاليف عليهم بدليل أخذ الميثاق، ولأن ظاهر الأمر للوجوب، ولترتب الذم عليه بتوليهم، وهذه التكاليف أيضًا واجبة في شرعنا" [3] .

عن عطاء ابن أبي رباح في قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} قال:"للناس كلهم" [4] . فهو أمر للمسلمين أن يختاروا كلمات طيبة لينة جميلة في كلامهم مع الناس كلهم، مع التخلق معهم بحسن الخلق ولين الجانب، سواء في المحادثة العادية معهم، أو دعوتهم إلى الإسلام، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وهذا يستدعي البعد عن استخدام الكلمات الجافة الخشنة في مخاطبة الناس، والبعد عن معاشرتهم بسوء الخلق [5] .

يقول النيسابوري:"إن كلام الناس مع الناس في الأمور الدينية إن كان بالدعوة إلى الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين ... وإن كان بالدعوة إلى الطاعة -كالفساق- فحسن القول أيضًا معتبر ... وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق"

(1) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 13/ 351؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/ 282.

(2) انظر: جامع البيان، الطبري، 20/ 48؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/ 283.

(3) غرائب القرآن، النيسابوري، 1/ 325. وانظر: تفسير ابن عرفة، 1/ 358.

(4) جامع البيان، الطبري، 2/ 297.

(5) معالم التنزيل، البغوي، 1/ 117؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/ 317؛ لباب التأويل، الخازن، 1/ 58؛ المحرر المجيز، ابن عطية، 1/ 173؛ التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 1/ 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت