في شيء إلا شانه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخل تحت هذا القول [1] . والصحيح من قولي العلماء أن هذه الآية محكمة غير منسوخة [2] .
وهناك آية أخرى تحمل معنى هذه الآية، وهو قوله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (الإسراء: 53) . وهذا أمر موجه مباشرة لهذه الأمة أن يختاروا الكلمات التي هي أحسن وألين في مخاطبتهم ومحاورتهم مع الناس، سواء مسلمهم وغير مسلمهم [3] .
وقد أمَر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحسن الخلق مع جميع الناس، فعن أبي ذر، مرفوعًا:"اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" [4] . وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا:"إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق" [5] . ولا شك أن التحلي بهذه الأخلاق الطيبة في معاملة غير المسلمين مما يؤلف قلوبهم، ويرغبهم في الإسلام. وهذا الذي كان عبر التاريخ أقوى سلاح لجلب الناس للدخول في دين الله أفواجًا، مختارين غير مجبَرين.
ومن قبيل تأليف قلوب غير المسلمين، وترغيبهم في الإسلام: تخصيص نصيب خاص من الصدقات للمؤلفة قلوبهم. قال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ... } الآية. (التوبة: 60) . فقد يعطَى غير المسلم من الزكاة لا لفقره وحاجته إليها، ولكن لتأليف قلبه على الإسلام، وترغيبه في اعتناقه، أو على الأقل لتحفيزه لاختيار التعايش السلمي مع المسلمين، وكف أذاه عنهم [6] . قال القرطبي:"واختلف العلماء في بقائهم؛ فقال عمر، والحسن، والشعبي، وغير هم: انقطع هذا الصنف بعز الإسلام وظهوره ... وقال جماعة من العلماء: هم باقون؛ لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام ... قال يونس: سألت الزهري عنهم فقال: لا أعلم نسخًا"
(1) غرائب القرآن، النيسابوري، 1/ 325.
(2) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 3/ 589؛ البحر المحيط، أبو حيان، 1/ 461 - 462.
(3) انظر: جامع البيان، الطبري، 17/ 469؛ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 10/ 277؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 5/ 86 - 87.
(4) سنن الترمذي، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس، 4/ 355/1987. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني: حسن.
(5) مسند البزار، 16/ 193/9319، المستدرك، الحاكم، 1/ 212/427. وقال ابن حجر عن إسناده: حسن. فتح الباري، ابن حجر، 10/ 459. وكذلك حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 3/ 9/2661.
(6) لباب التأويل، الخازن، 2/ 375. وانظر: زاد المسير، ابن الجوزي، 2/ 271.