الزمنية التي تحتجز الأماكن لأنفسها، فهذا ما يفسد الكون. فهناك بيئات تشتكي قلة القوت، وبيئات تشتكي قلة الأيدي العاملة لأرض خراب، وهي تصلح أن تزرع، فلو أن الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام لما حدث عجز. ونلاحظ ما يُقال: ازدحام السكان، أو الانفجار السكاني، بينما توجد أماكن تتطلب خلقًا! ويوجد خلق تتطلب أماكن، فلماذا هذا الاختلال؟ هذا الاختلال ناشئ من أن السلوك البشري غير منطقي في هذا الكون" [1] ."
قال الله تعالى: {كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32) . يعني أن من قتل نفسًا -أي نفس كانت- ظلمًا - بألا يكون القتل قصاصًا لشخص قام المقتول بقتله، أو عقابًا على فساد قام به المقتول يستحق به القتل، مثل: قطع الطريق، والبغي، والحرابة، والردة- فإن إثمه عند الله يكون مثل إثم من قتل الناس جميعًا. فينبغي لجميع الناس أن يُعينوا ولي المقتول حتى يُقيدوه منه، كما لو قتل أولياءَهم جميعًا [2] . ومن ترك ازهاق النفس مخافة الله تعالى، أو عمل على إبقاء النفس حية -بأن ينقذها من القتل، أو الغرق، أو الحرق، أو أي نوع من أنواع الهلاك- فإن أجره عنده الله يكون مثل أجر من أنقذ الناس جميعًا من الموت. فينبغي لجميع الناس أن يشكروه كما لو أحياهم هم [3] . والغرض من هذا التشبيه: بيان فظاعة الإقدام على قتل النفس ظلمًا بغير حق، والترهيب والردع من قتل نفس واحدة، بتصويره بصورة قتل جميع الناس، والترغيب والحث على إنقاذ النفس من الهلاك، بتصويره بصورة إحياء جميع الناس [4] . لذلك قال الحسن في تعليقه على هذه الآية:"هذا تعظيم لتعاطي القتل". وقال قتادة:"عَظُم واللهِ وزرها، وعَظم والله أجرها" [5] .
(1) تفسير الشعراوي، 2/ 1187 - 1188.
(2) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، 1/ 539؛ البحر المحيط، أبو حيان، 4/ 238؛ لباب التأويل، الخازن، 2/ 36.
(3) انظر: جامع البيان، الطبري، 10/ 233؛ معالم التنزيل، البغوي، 2/ 42/780؛ زاد المسير، ابن الجوزي، 1/ 540؛ 2/ 36؛ التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 2/ 1057؛ تفسير المنار، محمد رشيد رضا، 6/ 289.
(4) التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 2/ 1057.
(5) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/ 93.