فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 61

المحور الخامس: معالم السلام العالمي في القرآن الكريم بين المسلمين وبين غيرهم

تحتوي نصوص القرآن الكريم كذلك على معالم واضحة للسلام العالمي بين المسلمين وبين غير المسلمين، وفيما يأتي ذكر لأهم تلك المعالم:

المعْلم الأول: تجويز البر والعدل مع غير المسلم المسالِم:

قال الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8) . يعني: أن الله تعالى لا ينهى المسلمين أن يقوموا بالبر والإحسان والإكرام والصلة بغير المسلمين الذين لا يحاربون المسلمين في دينهم، ولا يناصبونهم العداء على ذلك، وأن يعاملوهم بالعدل، إن الله يحب أهل البر والعدل [1] .

ويظهر سبب نزول هذه الآية في حديث أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنهما، قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في هدنة قريش، فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول الله، قدمت عليَّ أمي وهي راغبة، أفَأصِلُ أمي؟ قال:"نعم، صلي أمك". قال ابن عيينة: فأنزل الله تعالى فيها: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} [2] . وقالت طائفة: نزلت في مشركي مكة، من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجهم من ديارهم. وقال مجاهد: هو خطاب للمؤمنين الذين بقوا بمكة ولم يهاجروا [3] .

ويروى عن بعض السلف أن هذه الآية منسوخة بآيات القتال. إلا أن الصحيح الذي عليه أكثر المفسرين: أن هذه الآية محكمة غير منسوخة [4] .

ويرى العلماء أن البر والإحسان والصلة بغير المسلمين لا يستلزم حبَّهم ووُدَّهم، إذ قد جاء النهي عن حبهم ومودتهم في كل حال. وذلك في مثل قول الله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (المجادلة: 22) . قال ابن حجر:"ثم البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه في قوله تعالى: لَا تَجِدُ"

(1) انظر: فتح الباري، ابن حجر، 5/ 233؛ التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 10/ 1382.

(2) الجامع الصحيح، البخاري، كتاب الأدب، باب صلة الوالد المشرك، 8/ 4/5978؛ الجامع الصحيح، مسلم بن الحجاج، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد، والوالدين ولو كانوا مشركين، 2/ 696/1003.

(3) شرح صحيح البخاري، ابن بطال، 7/ 136.

(4) انظر: جامع البيان، الطبري، 23/ 323؛ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 18/ 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت