ممن أَتبع هواه، واستبد برأيه بغير هدى من الله، فهو أضل من كل ضال. وتقييد اتباع الهوى بغير الهدى من الله تعالى لزيادة التقريع، والإشباع في التشنيع والضلال [1] . والأهواء جمع هوى وهو رأى عن شهوة داع الى الضلال وسمى بذلك لانه يهوى بصاحبه في الدنيا الى كل واهية وفي الآخرة الى الهاوية [2] .
كما بيّن القرآن أن مخالفة الهوى، وعدم الانجرار وراءه من أهم أسباب دخول الجنة، حيث قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى} (النازعات: 40 - 41) أي نهى نفسه عن المحارم التي تشتهيها."وقيل هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر مقامه بين يديه جلّ جلاله للحساب فيتركها لذلك" [3] . وقال أبو حيان:"ونهى النفس عن الهوى: أي عن شهوات النفس، وأكثر استعمال الهوى فيما ليس بمحمود" [4] . وقال الطبري:"يقول: ونهى نفسه عن هواها فيما يكرهه الله، ولا يرضاه منها، فزجرها عن ذلك، وخالف هواها إلى ما أمره به ربه {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى} ، يقول: فإن الجنة هي مأواه ومنزله يوم القيامة" [5] . وقال بعض الحكماء: إِذا أَردت الصواب فانظر هواك فخالفه. وقال الفضيل: أَفضل الأَعمال مخالفة الهوى [6] . وقال سهل: ترك الهوى مفتاح الجنة [7] .
فقد بيّن القرآن أن قتل النفس من الكبائر، التي تؤدي إلى دخول النار. يقول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا. وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} (النساء: 29 - 30) . وهذا فيه نهي للإنسان عن قتل نفسه بطريق مباشر، أو أن يفعل شيئًا يؤدي إلى هلاك نفسه [8] . وقال تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
(1) التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 7/ 1782.
(2) روح البيان، إسماعيل حقي، 1/ 218.
(3) لباب التأويل، الخازن، 4/ 393.
(4) البحر المحيط، أبو حيان، 10/ 402.
(5) جامع البيان، الطبري، 24/ 98.
(6) البحر المحيط، أبو حيان، 10/ 402؛ روح المعاني، الألوسي، 15/ 238؛ التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 10/ 1778.
(7) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 19/ 208.
(8) معالم التنزيل، البغوي، 2/ 200 و 3/ 143؛ لباب التأويل، الخازن، 1/ 366.