والصحيح من قولي العلماء: أن هذا الحكم الذي جاءت به هذه الآية غير مختص بني إسرائيل، بل هو عام فيهم وفي غيرهم."قال سليمان بن علي: قلت: للحسن، يا أبا سعيد، هي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: إي والذي لا إله غيره، ما كان دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا" [1] .
قال الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 188) . أي لا تأخذوا هذه الأموال -التي جعلها الله دولة بينكم- بغير حق، ولا تتوسلوا بها إلى الحكام والقضاة الجائرين، بغرض الاستيلاء على شيء من الأموال الخاصة بفريق من الناس ظلمًا وطغيانًا ومعصية، مع علمكم بأن ما تفعلونه وتأخذونه باطل وذَنب بلا شك [2] .
فقوله: {بِالْباطِلِ} أي: بغير حقّ شرعي، إما بغير حق أصلًا -كالغصب والسرقة والخيانة والخَدْع والتطفيف والغش، وغير ذلك- أو بحق باطل -كما يؤخذ في السحر والكهانة، والرشوة، والربا، وغير ذلك مما نهى الشارعُ عنه- [3] . وقال ابن عاشور:"الباطل يشمل وجوهًا كثيرة، منها: تغيير الأحكام الدينية لموافقة أهواء الناس، ومنها القضاء بين الناس بغير إعطاء صاحب الحق حقه المعين له في الشريعة، ومنها جحد الأمانات عن أربابها أو عن ورثتهم، ومنها أكل أموال اليتامى، وأموال الأوقاف والصدقات [4] ."
وقوله: {بِالْإِثْمِ} : فسره بعض المفسرين بشهادة الزور، أو باليمين الكاذبة [5] . فالآية تنهى عن أخذ المال بغير حق شرعي، عن طريق أي فعل محرم شرعًا، مثل الغصب، والسرقة، والغش، والرشوة، والربا، والكذب، وقول الزور، وشهادة الزور، واليمين الكاذبة، والكهانة، والسحر. ونحو ذلك.
وهناك أحاديث نبوية جاء فيها التصريح بحرمة مثل هذه الأمور، منها:
(1) البحر المحيط، أبو حيان، 4/ 238؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/ 93.
(2) انظر: جامع البيان، الطبري، 3/ 550 - 552؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/ 521؛ البحر المديد، ابن عجيبة، 1/ 218 - 219؛ لباب التأويل، الخازن، 1/ 120؛ تفسير السعدي، ص 88؛ زهرة التفاسير، 2/ 570.
(3) البحر المديد، ابن عجيبة، 1/ 218.
(4) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 10/ 175.
(5) انظر: الكشاف، الزمخشري، 1/ 233؛ فتحُ البيان، القنوجي، 1/ 381.