ثالثًا: جاهد الإسلام ليقيم في الأرض نظامه الخاص ويقرره ويحميه، ويلغي من الأرض عبودية البشر للبشر في جميع أشكالها وصورها، وكان من حقه أن يجاهد ليحطم النظم الباغية التي تقوم على عبودية البشر للبشر، ثم يدع الناس في ظله أحرارًا في عقائدهم الخاصة، لا يلزمهم إلا بالطاعة لشرائعه الاجتماعية، والأخلاقية، والاقتصادية، والدولية. أما عقيدة القلب فهم فيها أحرار، وأما أحوالهم الشخصية فهم فيها أحرار، يزاولونها وفق عقائدهم. والإسلام يقوم عليهم، يحميهم ويحمي حريتهم في العقيدة، ويكفل لهم حقوقهم، ويصون لهم حرماتهم، في حدود ذلك النظام" [1] ."
قد أمر الله المسلمين ألا يغلقوا أبواب ديارهم على وجه غير المسلمين، الذين يرغب في اللجوء إليها، بل أمر باستجارته واستضافته، حتى يسكن في ظل الإسلام وجوار المسلمين، في أمن وأمان. فقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} (التوبة: 6) . فهذا أمر للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمته تبع له في ذلك- أنه إذا استأمنه أحد من غير المسلمين، فعليه أن يعطيه الأمان، حتى يسكن بجواره، ويسمع كلام الله، ويتعرف على الإسلام من قريب، ولعل ذلك يكون سببًا لإسلامه؛ لأن هؤلاء الذين لم يعتقوا الإسلام أكثرهم لا يعلمون حقيقة هذا الدّين. ثم إذا أراد هذا اللاجئ أن يغادر من ديار الإسلام إلى حيث يريد، فيجب تأمينه وحراسته من كل ما قد يلحقه من الضرر في طريقه، حتى يصل إلى المكان الذي يريد الوصول إليه [2] . وتظهر في هذه الآية سَماحة الإِسلام، وحرصه على السلام، وتهيئة أَسباب الوصول إِلى الحق، في غير إِكراه ولا إِعْنَاتٍ [3] .
والصحيح أن الآية محكمة غير منسوخة [4] . وقد أعطى الإسلام حق الأمان -بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجميع ولاة المسلمين، ثم لكل فرد من المسلمين، سواء كان وضيعًا أو
(1) في ظلال القرآن، سيد قطب، 1/ 294 - 295.
(2) انظر: جامع البيان، الطبري، 14/ 138؛ بحر العلوم، السمرقندي، 2/ 40؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، البحر المديد، ابن عجيبة، 2/ 359؛ 4/ 113؛ لباب التأويل، الخازن، 2/ 337؛ التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 3/ 1661.
(3) التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 3/ 1661؛ في ظلال القرآن، سيد قطب، 3/ 1602.
(4) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 8/ 76.