فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 61

اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لشدة حرصه ورغبتة في إيمانهم- كاد أن يكرههم على الإيمان إشفاقًا عليهم [1] . قال ابن عباس:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصًا على إيمان جميع الناس، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول" [2] .

ويرى بعض العلماء أن مثل هذه الآيات منسوخة بالسيف. قال ابن الجوزي:"والصحيح أنه ليس ها هنا نسخ؛ لأن الإِكراه على الإِيمان لا يصح؛ لأنه عمل القلب" [3] . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا شرع الإسلام الجهاد إذن، إذا كان لا يكره أحدًا على اعتناقه؟! والجواب، أن هناك من العلماء من تولى الإجابة عن مثل هذا التساؤل، منهم محمد رشيد رضا، وسيد قطب:

1.ذكر رشيد رضا بأن الإسلام أمر بالدعوة إليه -ابتداءً-"بالحجة والبرهان، لا بالسيف والسنان، فإذا مُنعنا من الدعوة بالقوة، بأن هُدد الداعي أو قتل، فعلينا أن نقاتل لحماية الدعاة، ونشر الدعوة، لا للإكراه على الدين ... وإذا لم يوجد من يمنع الدعوة، ويؤذي الدعاة، أو يقتلهم، أو يهدد الأمن ويعتدي على المؤمنين، فالله تعالى لا يفرض علينا القتال; لأجل سفك الدماء وإزهاق الأرواح، ولا لأجل الطمع في الكسب ..." [4] .

2.وذكر سيد قطب أن الإسلام -في الحقيقة- قد استل السيف، وناضل وجاهد في تاريخه الطويل، ولكن لا ليكره أحدًا على الإسلام، ولكن ليكفل عدة أهداف:

أولًا: جاهد الإسلام ليدفع عن المؤمنين الأذى والفتنة التي كانوا يسامونها، وليكفل لهم الأمن على أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم.

ثانيًا: جاهد الإسلام لتقرير حرية الدعوة: فقد جاء الإسلام ليُهديه الخير إلى البشرية كلها، ويبلغه إلى أسماعها وقلوبها، فمن شاء بعد البيان والبلاغ فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولكن ينبغي قبل ذلك أن تزول العقبات من طريق إبلاغ هذا الخير للناس كافة، ومن هذه العقبات أن تكون هناك نظم طاغية في الأرض تصد الناس عن الاستماع إلى الهدى وتفتن المهتدين. فجاهد الإسلام ليحطم هذه النظم الطاغية وليقيم مكانها نظامًا عادلًا يكفل حرية الدعوة إلى الحق في كل مكان وحرية الدعاة.

(1) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، 6/ 88.

(2) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 8/ 385.

(3) زاد المسير، ابن الجوزي، 2/ 352.

(4) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، 2/ 173 - 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت